ترك برس

طوال عام 2023، أظهرت تركيا تصميما على وضع حد لأنشطة المنظمة الإرهابية وتطهير وجودها، كما فعلت في السنوات السابقة. ومع ذلك، لا يبدو من الممكن لمكافحة الإرهاب أن ينجح فقط من خلال إظهار الآليات الأمنية أو الإرادة العسكرية. وفي هذا السياق، أصبح من الضروري اتباع سياسات إقليمية حساسة مع البلدان المحيطة والجهات الفاعلة المحلية حيث اكتسبت المنظمة الإرهابية مجال نفوذ. ولهذا السبب، تحتل العراق وسوريا موقعا مهما في صورة تركيا لمكافحة الإرهاب.

بعض التطورات في العراق العام الماضي تعطي أدلة حول القضايا التي قد تشغل تركيا في عام 2024. يمكن التعبير عن أولها بالعلاقات بين الاتحاد الوطني الكردستاني وحزب العمال الكردستاني. وكما سيتذكر، كانت المروحية التي كانت تقل أعضاء من حزب العمال الكردستاني التي تحطمت في دهوك في مارس 2023 مهمة من حيث الكشف عن هذه العلاقات. وفي الواقع، تم الكشف عن أن أعضاء قوات مكافحة الإرهاب التابعة للمنظمة تلقوا تدريبا تجريبيا وتقنيا في السليمانية بمعرفة القيادة المركزية الأمريكية، باستخدام المعدات ودعم البنية التحتية للاتحاد الوطني الكردستاني.

ويعتقد أن المنظمة استفادت من الصراع على السلطة والنفوذ بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وحتى من الصراع على قيادة طالباني داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، واستفادت من البنية التحتية للاتحاد الوطني الكردستاني ومرافقه. فمن ناحية، تستهدف تركيا الموارد البشرية والمادية والمالية الرئيسية الحالية للمنظمة بعمليات مستمرة، ومن ناحية أخرى، تكافح مع السياسات التي تنفذها دول المنطقة والجهات الفاعلة الدولية في المنطقة.

وعلى الرغم من أن تركيا اتخذت بعض الإجراءات التحذيرية التي أعربت فيها عن عدم ارتياحها لعلاقات الاتحاد الوطني الكردستاني مع قوات سوريا الديمقراطية وحزب العمال الكردستاني في سوريا، إلا أن القضية تتجاوز بكثير الجهات الفاعلة المحلية في السليمانية وأربيل في العراق. على سبيل المثال، إن رفض الحكومة المركزية العراقية الاعتراف بحزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية يملأ أحد المجالات التي تشكل مشكلة بين البلدين. ومع ذلك، فإن إنشاء وحدات حرس الحدود وبدء انتشار العراق على حدود تركيا وإيران، ومحاولة السيطرة على مخمور، حيث يقوم حزب العمال الكردستاني بأنشطة التدريب والتجنيد متنكرا في زي مخيم للاجئين، يمكن تقييمها بشكل إيجابي. ومرة أخرى، فإن محاولة الحد من أنشطة حزب العمال الكردستاني والجماعات التابعة له في سنجار تترك الانطباع بأن الحكومة المركزية قد غيرت على الأقل موقفها تجاه المنظمة، على الرغم من أنها ليست خطوة ملموسة بالقدر الذي تريده تركيا.

من ناحية أخرى، يمكن تصور قمع الحكومة المركزية للاتحاد الوطني الكردستاني، الذي فتح منطقة نفوذ وسيطرة لحزب العمال الكردستاني في السليمانية، كخطوة ترضي تركيا. وعلى الرغم من أن تركيا تحافظ على اتصالات دبلوماسية مع الاتحاد الوطني الكردستاني، إلا أنه يمكن بالفعل توقع أن تتبنى تركيا لهجة أكثر صرامة طالما أن الاتحاد الوطني الكردستاني لا يغير مساره الحالي.

في حالة سوريا، بينما تنتظر تركيا تشكيل الظروف المناسبة لعملية برية جديدة، فإنها تواصل عملياتها ضد البنية التحتية والبنية الفوقية والموارد البشرية وموارد الطاقة التي توفر فوائد مالية كبيرة للمنظمة. منشآت الطاقة الخاضعة لسيطرة التنظيم، والتي تم استهدافها لأول مرة بعد هجوم تقسيم، تم استهدافها مرة أخرى نتيجة لعملية “عقابية” بعد هجوم أنقرة، بل وأعلنت أهدافا مشروعة. ومن المتوقع أن تستمر هذه الاستراتيجية في الفترة المقبلة.

ومع ذلك، فإن التطورات التي حدثت في سوريا في أغسطس الماضي هي أيضا على نطاق يمكن أن يؤثر على استراتيجية تركيا وسياساتها لمكافحة الإرهاب، وإن لم يكن بشكل مباشر. وكما سنتذكر أن التوتر بين حزب العمال الكردستاني ومجموعة مجلس دير الزور العسكري الذي يخضع لإشراف التنظيم، تطور إلى صراع بعد أن اعتقلت المنظمة ما يسمى بقائد الجماعة أحمد الهبيل. وامتدت الاشتباكات حتى إلى الرقة والحسكة ومنبج بمشاركة قبائل عربية أخرى.

أطلقت القبائل العربية، التي رغبت في التحول إلى لاعب إقليمي بتوجيه من الولايات المتحدة، مبادرة ضد وحدات حماية الشعب لأسباب عديدة مثل التجنيد القسري للعرب وأنشطة التلقين العقائدي، وسيطرتها على عائدات النفط، وهيمنتها على إدارة المنطقة. ذكرتنا مبادرة القبائل هذه بالحجج الأخيرة لإنشاء “ممر عربي سني” فيما يتعلق بإنشاء مجموعات وآليات عسكرية بديلة لوحدات حماية الشعب في المنطقة. تعتقد العديد من الدوائر داخل البيروقراطية الأمنية الأمريكية وتوضح أن الحليف المحلي البديل، وخاصة وحدات حماية الشعب، التي تمتنع عن مواجهة الجماعات المدعومة من إيران، والولايات المتحدة، التي تحاول اتخاذ الاحتياطات ضد التهديد الإيراني المتزايد في المنطقة، هو الحل الذي سيضع حدا لصراع الدم. مما لا شك فيه أن نهاية الشراكة المحلية التي حافظت عليها الولايات المتحدة مع حزب العمال الكردستاني سوف ترضي تركيا أكثر من غيرها. وفي نهاية المطاف، سيؤثر ذلك على استراتيجية تركيا التشغيلية وجهود التخطيط والتنفيذ في المنطقة.

من ناحية أخرى، هناك تطور سيكون ذا أهمية كبيرة لتركيا على المدى القصير. في الآونة الأخيرة، صرح مراد كارايلان، أحد كبار قادة حزب العمال الكردستاني، بأن المنظمة ستغير عقيدتها التكتيكية وتتبنى حرب الأنفاق وتكتيكات القوات الصغيرة. من ناحية، تخطط المنظمة، التي لم تستطع تقديم استجابة فعالة للعمليات الجوية التي تقوم بها تركيا بدعم من الطائرات بدون طيار، للاستفادة من الأنفاق كمراكز جديدة للقيادة والعودة؛ من ناحية أخرى تهدف إلى تنظيم غارات مفاجأة وهجمات منسقة مع فرق تتكون من مجموعات صغيرة ومعزولة. وتخطط المنظمة، التي تريد إضافة جبهة إلى الصراع في مجالات جديدة مثل الحرب السيبرانية، لإلحاق أكبر قدر من الخسائر بأقل قدر من الموارد البشرية. ومما لا شك فيه أن استراتيجية تركيا لمكافحة الإرهاب وسياسة قطع الرأس ودبلوماسية الاستخبارات الفعالة، التي عززتها من خلال الاستفادة من التقنيات المتقدمة، قد أعاقت المنظمة بشكل كبير وكانت القوة الدافعة للمنظمة لاتخاذ مثل هذا القرار.

في العام المقبل، سيكون المعيار الأكثر أهمية للنجاح في مكافحة الإرهاب هو التحليل الجيد للديناميات الإقليمية والتكيف التكتيكي للمنظمة، وإنشاء مناورات مضادة بما يتماشى مع هذه المعايير.


**مقال تحليلي للكاتب والباحثة سيبل دوز، نشره مركز سيتا التركي للدراسات..

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!