د. علي حسين باكير - الجزيرة نت

من المقرر أن يلتقي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أول زيارة خارجية يقوم بها بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 9 أغسطس/آب الحالي. ويكتسب هذا اللقاء أهميته لكونه اللقاء الأول بين الرجلين منذ إسقاط القوات المسلحة التركية للمقاتلة الروسية التي اخترقت أجواء البلاد في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضين.

وجرى تهيئة الأرضية اللازمة لهذا اللقاء من خلال زيارات متبادلة بين البلدين لاسيما على المستوى الوزاري؛ إذ زار نائب رئيس الوزراء التركي محمد شمشك موسكو في 26 يوليو/تموز الماضي على رأس وفد رسمي ضم أيضا وزير الاقتصاد ونائب وزير الزراعة، كما زار في المقابل نائب وزير الثقافة الروسي تركيا قبل عدة أيام برفقة وفد يضم مسؤولين من وزارة السياحة والنقل والطيران والأمن.

التطبيع.. قرار سابق
دأب المسؤولون الأتراك منذ اليوم الأول لإسقاط الطائرة الروسية على تأكيد ضرورة حل الإشكال بين البلدين، وجرت بعدها عدة محاولات للانخراط المباشر مع القيادة الروسية لكن بوتين كان يتهرب على الدوام من هذا الأمر، إلى أن تغيرت الظروف تماما.

ففي بداية شهر يونيو/حزيران الماضي، وفي خطوة غير متوقعة، قامت وزارة الدفاع الروسية بمنح الضوء الأخضر لطائرات استطلاع تركية بالطيران في الأجواء الروسية وفق اتفاقية "الأجواء المفتوحة"، وسرعان ما اغتنم الجانب التركي هذه الفرصة التي رأى فيها خطوة إيجابية وقام بدوره بإرسال رسائل تهنئة إلى كل من الرئيس الروسي ورئيس وزرائه ميدفيديف بمناسبة اليوم الوطني الروسي. 

وعندما استقبل الجانب الروسي هذه الرسائل بإيجابية، قام الجانب التركي بإرسال رسائل تعبر عن الأسف مما جرى أثناء إسقاط الطائرة الروسية، وقام وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو بعد ذلك بزيارة سوتشي الروسية في 1 يوليو/تموز بناء على دعوة من وزارة الخارجية الروسية.

وفي الوقت الذي ركز فيه البعض على الخطوات المتعلقة بالجانب التركي في إعادة تطبيع العلاقات مع روسيا كدليل على أن موسكو تمتلك اليد العليا في المعادلة، تم تجاهل حقيقة أن أي تطبيع للعلاقات لا بد وأن يجري بالتوافق بين إرادة الطرفين، وبالتالي فإن كل خطوة من أي طرف تقابلها خطوة من الطرف الآخر. 

وفي هذا السياق، من الواضح أن الطرفين تراجعا خطوة إلى الوراء بسبب المصالح المشتركة والمتشابكة التي تملي عليهما عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع بعضهما البعض على الأقل في الأمور التي تتعلق بالعلاقات الثنائية.

دوافع إعادة التطبيع
في مرحلة ما قبل الانقلاب الفاشل، كان العامل الاقتصادي العنصر الأكثر تأثيرا في الضغط على الطرفين؛ فالعقوبات الروسية أثرت بشكل سلبي على تركيا لاسيما فيما يتعلق بقطاع السياحة الذي مني بخسائر تقدر بين 8 و15 مليار دولار نتيجة المقاطعة والعمليات الإرهابية، وكذلك الأمر بالنسبة لقطاع الزراعة.

وفي المقابل فقد أضرت هذه العقوبات بروسيا نفسها لاسيما فيما يتعلق بقطاع الإنشاءات واستيراد السلع والبضائع التركية، خاصة بعد الأداء السلبي للاقتصاد الروسي في العام 2015 حيث بلغت نسبة التضخم 16% وتراجع الناتج المحلي الاجمالي إلى 4- % وانخفضت قيمة العملة الروسية 44% . وفي ظل استمرار العقوبات الأوروبية، بدا الأمر أشبه بجلد الذات.

العوامل الأخرى لاسيما السياسية لم تكن غائبة بطبيعة الحال عن هذه المعادلة، لكنها كانت أقل أهمية من حيث التوقيت، إذ سمح تدهور علاقات تركيا مع إدارة أوباما، وتحسن علاقات روسيا مع إسرائيل بإعادة خلط الأوراق، ولا شك أن مثل هذا الوضع كان بمثابة فرصة ثمينة لموسكو على اعتبار أن تركيا وإسرائيل من الحلفاء المفترضين للولايات المتحدة، وكسبهما إلى جانبها يعد بدون شك نقطة لصالحها في سياق تثبيت نفوذها المستجد في المنطقة، ليس من خلال الانفتاح عليهما فقط بل ومحاولة تقديم بديل.

حاليا، في مرحلة ما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 يوليو/تموز، يبدو واضحا تقدم العامل السياسي والأمني في معادلة إعادة التطبيع بين البلدين. عندما وقع الانقلاب، سارعت روسيا كأول دولة أجنبية للتعليق على الحدث عندما قال وزير خارجيتها سيرجي لافروف "ينبغي تجنب سفك الدماء في تركيا وتسوية أي قضايا في إطار دستوري"، وهو ما فهم منه أنه دعم للسلطات الشرعية للبلاد. كما اتصل الرئيس الروسي في اليوم التالي للحديث مع أردوغان حيث تقرر تحديد موعد اللقاء.

لا بد أن الجانب الروسي أخذ بعين الاعتبار أثناء تقييم موقفه أن حزب العدالة والتنمية هو صاحب الفضل في الارتقاء بالعلاقات التركية الروسية خلال العقد الماضي إلى درجة غير مسبوقة في تاريخ تركيا، وأن سيطرة الجيش على السلطة عقب أي عملية انقلابية كان يعني أن روسيا ستواجه مشاكل أكبر فيما يتعلق بتطويق حلف الناتو لها وإجراءات الرد التي يتخذها الحلف مؤخرا على تخوم روسيا.

وفي المقابل، جاء الرد التركي على نفس المستوى، إذ شكر وزير الخارجية مولود تشاووش أوغلو في مقابلة تلفزيونية على "خبر تورك" في 25 يوليو/تموز الماضي السلطات الروسية وخاصة الرئيس بوتين على الموقف من الانقلاب، ومن الواضح أن الرد التركي جاء في سياق تقديره أن مرحلة ما بعد الانقلاب ستشهد على الأرجح تدهورا في العلاقات التركية الأمريكية، والتركية الأوروبية نظرا لموقف الغرب السلبي عموما مما جرى، وهو ما يعني ضرورة تأمين الورقة الروسية.

ما بعد الزيارة
معظم الحديث الجاري حاليا حول الهدف من الزيارة يرتبط بمواضيع إقليمية، لكن الأصل أن أولوية الطرفين الآن إعادة تطبيع العلاقات الثنائية بشكل كامل. الجانب التركي يسعى إلى استعادة العلاقات سريعا إلى مستوى أكبر مما كان عليه الأمر قبل إسقاط الطائرةالروسية، ولذلك فهو سيركز على ضرورة تفعيل القطاع السياحي، وزيادة حجم التبادل التجاري، وعلى قطاع الإنشاءات حيث تقوم أنقرة بعدد من المشاريع الضخمة في روسيا، بينما تقوم الأخيرة بمشروع أكويو النووي في تركيا. 

لكن يبدو أن الجانب الروسي سيركز أكثر على تبادل وجهات النظر فيما يتعلق بحجم الانفتاح وسرعته والزخم المطلوب لاستعادة العلاقات بين الجانبين، إذ أن هناك مصلحة روسية في إطالة هذه الفترة قدر المستطاع لتحصيل أكبر قدر من المكاسب السياسية وتسجيل النقاط في وجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لاسيما في ظل تنامي السخط الشعبي التركي ضد هاتين الجهتين وهو ما يشكل فرصة ثمينة لموسكو.

أضف إلى ذلك أن روسيا ستبدي اهتماما كبيرا بمشروع خط أنابيب الغاز "تيركش ستريم" الذي يتجاوز أوكرانيا عبر تركيا خاصة أن المشروع يثير حساسية لدى الاتحاد الاوروبي لأنه سيزيد من سيطرة شركة غاز بروم، ومن الاعتماد على روسيا في إمدادات الطاقة، مما يجعل مجرد طرح المشروع بمثابة ورقة سياسية إضافية في يد موسكو.

ويأمل الجانب التركي أن يؤدي التقارب على المستوى الثنائي إلى إزالة عوامل التوتر، وبالتالي تهيئة الأجواء أمام إمكانية بحث المواضيع الإقليمية الشائكة أو المتفجرة في سياق غير متشنج يسوده تفهم مصالح الجانب التركي لاسيما المتعلق منها بالأمن القومي. ولا شك أن المدخل إلى هذه المعادلة سيكون باعتقادي من خلال العنصر الأمني. 

الجانب التركي منخرط منذ فترة في صراع شديد مع كل من حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري، بالإضافة إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقد نفذت الجماعتان خلال فترة عام عمليات إرهابية في الداخل التركي هي الأضخم من نوعها في تاريخ تركيا، آخرها العملية التي استهدفت مطار أتاتورك الدولي وتبين أن منفذيها من الفضاء الجغرافي الروسي. 

ولا شك أن الجانب التركي منفتح على تعاون حقيقي في مجال مكافحة الإرهاب إذا لمس نية صادقة أيضا لدى موسكو التي تستخدم حتى هذه اللحظة موضوع مكافحة الإرهاب في سياق سياسي مختلف تماما. وفي المقابل، هناك عامل آخر يتعلق بالبعد الأمني في الحسابات الروسية وهو تدهور العلاقة مع حلف شمال الأطلسي مؤخرا، ولذلك فإن تحييد دولة مهمة في حلف الناتو كتركيا من خلال التقرب إليها يعتبر مكسبا بالنسبة لروسيا.

سوريا في حسابات الطرفين
ما تأمله تركيا حاليا من إعادة وصل العلاقات مع روسيا فيما يتعلق بالملف السوري، يتراوح بين تجنب ضرب موسكو للمعارضة السورية المعتدلة، وبين عدم الاعتراض على إمكانية استئناف تركيا لغارات جوية في الشمال السوري مستقبلا، وبين موافقة بوتين على رحيل الأسد والدائرة المحيطة في بداية المرحلة الانتقالية. 
في المقابل، تخشى روسيا من الغرق في المستنقع السوري، فبعد قرابة عام من تدخلها العسكري المباشر هناك، لم تحقق أيا من أهدافها الإستراتيجية المعلنة، وبدأت خسائرها هناك في الأرواح والمعدات تزداد في الآونة الأخيرة. ومع تراجع قدرة الميليشيات الإيرانية وقوات الحرس الثوري بالإضافة إلى قوات الأسد على حسم المعركة على الأرض كما كان متصورا، فان انفتاحا روسيا على تركيا قد يساعدها على التحوط من أسوء السيناريوهات.

ولذلك، لا شك أن هناك مصلحة مشتركة في انفتاح الطرفين على بعضهما البعض، لكن التناقض في مواقفهما لا يزال قائما. تركز المطالب الروسية على ضرورة إغلاق الحدود التركية مع سوريا بشكل كامل ومنع أي إمدادات للمعارضة السورية المسلحة وذلك تحت شعار مكافحة الإرهاب. وفي المقابل يركز الجانب التركي على ضرورة التعامل مع ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) باعتبارها فرعا من حزب العمال الكردستاني الإرهابي. سيكون الجانب التركي متحمسا للتعاون من أجل منع هذا التنظيم وداعش من تنفيذ هجمات إرهابية في الداخل التركي، لكنه يعتبر أن المفتاح لحل الإشكال الرئيسي يكمن في إخراج الأسد والدائرة المحيطة به من السلطة وهو الأمر الذي لا تراه موسكو حتى هذه اللحظة.

جسر الهوة بين الطرفين في هذه المواضيع لن يكون أمرا سهلا، لكن ربما من الممكن أن يبدي الجانب التركي مرونة في إمكانية عدم الاعتراض على قبول بقاء الأسد فترة محددة قصيرة جدا لا تتجاوز بضعة أشهر في مقابل ضمانات علنية من الجانب الروسي تتضمن إعلان تاريخ محدد على الملأ لمغادرة الأسد، وهو الأمر الذي ترفضه موسكو حتى الآن.

في المحصلة، فإن توقع حدوث تحول كبير في الموقف الروسي من الملف السوري جراء إعادة وصل ما انقطع مع تركيا سيكون إفراطا في التفاؤل ما لم يتم إما حصول تقدم كبير على الأرض ضد قوات الأسد والميليشيات الإيرانية لاسيما في المناطق الإستراتيجية، وإما التوصل إلى اتفاق شامل وحقيقي يقضي بقيام تحالف إقليمي ودولي لمكافحة الإرهاب بفاعلية مع رحيل الأسد.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس