غالب دالاي - صحيفة قرار - ترجمة وتحرير ترك برس

عقد "منتدى الشرق" الأسبوع الماضي، مؤتمرا بعنوان "نقاش مرحلة ما بعد الأزمات الحالية"، وقد شارك في المؤتمر حفل من السياسيين الأتراك والعرب ومن الغرب، بالإضافة إلى صحفيين وأصحاب رأي وفكر، ونوقشت مواضيع المنطقة خلال الجلسات المفتوحة والمغلقة، وأعتقد أنه لا بد من الإشارة والتركيز على بعض المواضيع التي تصدرت تلك النقاشات.

أبرز ما نتج عن تلك النقاشات، هو إجماع معظم الحاضرين على أنّ المنطقة بانتظار حراك أكثر صداما، وأكثر فوضى خلال المستقبل القريب، وستستمر معاناة أنظمة الدول العربية مع أزمات تتعلق بوجودها وشرعيتها، ربما تلك الأنظمة لم تنته بعد، لكن أيضا لم يولد حتى الآن نظام يحل مكانها، وما قاله "جوزيف" الفرنسي من أصل لبناني بأنّ "الماضي مات، لكن الجديد لم يولد بعد، ونحن نعيش فترة انتقالية"، يُلخص الوضع بصورة كاملة.

ويرى الخبراء أنّ هذه المرحلة الانتقالية ستستمر طويلا، وأنّ عدم انتظام الأمور واستقرارها في المنطقة، سيزيد من حدة تنافس القوى الإقليمية والعالمية، والتي ستتنافس على المكاسب الجيوسياسية، لكن مسألة أزمات الأنظمة العربية (شرعيتها، قدرتها على الإدارة، حُكم الأكثرية.. إلخ) لن تُحل بتحقيقها لبعض المكاسب الجيوسياسية.

ولو أردنا الحديث عن الموضوع الأهم والأبرز، وهو الموضوع السوري، فإنّ هناك قبولًا عامًا لدى الجميع بأنّ رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الجديد، وكذلك الأطراف الأخرى، ستكون مضطرة لقبول الأمر الواقع الذي تفرضه روسيا في سوريا، فما قامت به روسيا من مجازر دموية، وتغيير ديموغرافي في حلب، لم يُحدث رد فعل حقيقي وفعّال من جميع الأطراف بما فيها تركيا. وسكوت تركيا عما ترتكبه روسيا من مجازر في حلب، يُضطر بصورة كبيرة بصورة تركيا الأخلاقية، ويُفقد ثقة ومصداقية المعارضة بتركيا.

لكن برغم ذلك، لا يُمكن أنْ تتلاقى مصالح تركيا وأولوياتها مع الأهداف الروسية، لا في سوريا ولا في العراق ولا في المنطقة بأسرها، وهذا ما تسبب بأزمات حادة بين روسيا وتركيا خلال العام الماضي، ودعونا نكتفي مؤقتا بالحديث عن هذا الموضوع بهذا القدر.

تشكلت قناعة لدى المشاركين بأنه لم يتبق خيارات بالنسبة لسوريا غير التقسيم، أو الانتقال إلى نظام حُكم مركزي شديد المرونة، وهنا يبرز نموذجان، اللبناني والعراقي، حيث يقوم النظام في لبنان على توزيع الصلاحيات والقوة بالتشارك على أسس مذهبية، وهذا النموذج اكتسب بعدا جغرافيا لاحقا. بينما النموذج العراقي، ففيه يتم توزيع الصلاحيات والقوى على أساس جغرافي، ويُمكن قراءة التقسيم الجغرافي على أنه تقسيم على أساس العرق أو الهوية. ولهذا فإنّ الأوضاع في سوريا تتجه ربما لتحقيق إحدى هذين النموذجين لنظام الحُكم بعد انتهاء الأزمة.

وفي المحصلة، فإنّ النماذج التي سيتم تأسيسها لنظام الحُكم في سوريا والعراق، ستكون بمثابة الإشارات والدلالات الواضحة لمعادلات القوى التي سيتم تأسيسها في المنطقة.

عن الكاتب

غالب دالاي

مدير البحث في منتدى الشرق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس