إسماعيل ياشا - أخبار تركيا

تحدث أحد أدعياء الليبرالية العرب قبل أيام في برنامج الاتجاه المعاكس الذي تبثه قناة الجزيرة الفضائية ويقدمه الإعلامي الشهير فيصل القاسم، عن "أسلمة تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية بقيادة رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان".

الرجل استشهد لتعزيز انتقاداته بكاتب صحفي إسرائيلي، وقال إنه، أي الكاتب الإسرائيلي، ذكر أن "عملية أسلمة تركيا" لا تقف عند حدود محاولة الانقلاب الفاشلة، بل تعود إلى ما قبل ذلك، وتستمر منذ ٢٠٠٣، وأن أردوغان عمل بشكل قوي على "أسلمة تركيا". ثم بدأ يعدُّ ما قام به رئيس الجمهورية التركي من أجل "أسلمة تركيا"، وأشار إلى أنه قيد استخدام الكحول، وفصل ما بين سكن الطلاب والطالبات، وسمح بارتداء الحجاب في المدارس، بل فعل شيئا أكبر من ذلك حين سمح بإقامة الصلوات في بعض الجهات الحكومية. ثم ادَّعى المتحدث بأن كل هذه مخالفة للدستور التركي.

لو كان من قال كل هذا شخص غير مسلم يعيش في بلاد غير إسلامية لقلنا إنه يجهل الإسلام كما يجهل تركيا وشعبها المسلم. ولكن أن يخرج سعودي أو كويتي أو أحد من المسلمين العرب، ينتقد أردوغان لأنه يضع قيودا لبيع الخمور، ويسعى إلى أسلمة تركيا أمر في غاية الغرابة ويثير الدهشة.

لا أدري، ما الذي يريد أمثال هؤلاء بالضبط، فهل يريدون أن لا يكون أي قيد لبيع الخمور، بحيث يمكن للأطفال الصغار والطلاب والطالبات شراءها في أي وقت، صباحا أو مساء، ومن أي مكان، سواء من المحلات القريبة من المدارس والمساجد أو الأسواق الشعبية والميادين العامة وغيرها.

هل يريدون مثلا أن لا تقام الصلوات في الدوائر الرسمية والجهات الحكومية، أو يريدون حظر الحجاب في المدارس والجامعات، وحرمان الطالبات المحجبات من حق الدراسة؟ هل يكفيهم هذا القدر من محاربة الحقوق والشعائر الإسلامية في مقابل حرية بيع الخمور واستخدامها بلا قيد أم لديهم شروط أخرى لا بد من تحققها كي لا يتهموا أردوغان بالسعي إلى أسلمة تركيا؟ ثم من قال لهم أصلا إن كل ما ذكروه يعني أسلمة بلاد هي في الحقيقة مسلمة أو من قال لهم إن السعي إلى أسلمة بلاد تهمة؟

لو كان هؤلاء ولدوا وعاشوا وتربوا في بلاد لا يعرف فيها الناس أي شيء عن حقيقة الإسلام لتفهمنا إلى حد ما هذه الانتقادات التي يوجهونها إلى قادة تركيا حول تقييد بيع الخمور والسماح للمحجبات بالدراسة في الجامعات وما إلى ذلك، وقلنا إن انتقاداتهم سببها جهلهم بالإسلام والمجتمعات المسلمة، ولكن المصيبة أن هؤلاء مسلمون ولدوا وعاشوا وتربوا في البلاد الإسلامية وبين ظهراني المسلمين. وتكبر المصيبة حين يدَّعي هؤلاء بأنهم ينتمون إلى الفكر الليبرالي الذي يدعو إلى الحرية واحترام الحقوق وإرادة الشعوب.

المواطنون في تركيا عانوا كثيرا من العلمانية المتوحشة التي تحارب الإسلام، وترى كل ما يتعلق بالتدين خطرا عليها. وحرموا من سماع الأذان باللغة العربية لسنين طويلة. وكان تعليم قراءة القرآن الكريم وتحفيظه ممنوعا في البلاد. ثم جاء الحزب الديمقراطي برئاسة عدنان مندرس، لينهي تلك الحقبة المظلمة. وفي عهد حزب الوطن الأم برئاسة تورغوت أوزال عاش المواطنون في تركيا أجواء الحرية لحد ما، إلا أن وطأة العلمانية المتوحشة اشتدت مرة أخرى بعد إسقاط حكومة أربكان الائتلافية. وجاء أخيرا حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان ليفتح صفحة جديدة في البلاد. وما قام به أردوغان منذ ٢٠٠٣ خطوات تجعل المواطنين سواسية ليتمتع المواطنون المتدينون ذات الحرية التي يتمتع بها غير المتدينين. وهل هذا أمر ينتقده مسلم وينزعج منه؟!. 

عن الكاتب

إسماعيل ياشا

كاتب تركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس