د. مصطفى الستيتي - خاص ترك برس

ينحدر والده من أُسرة جزائريّة يَرتفع نسبُها إلى الأمراء الأدارسة بالمغرب، ومِن أُسرةٍ تونسيَّة، اشتهرتْ بالعلم والفضْل والتّقوى - هي أسرة عزّوز - جاءتْ والدته. وُلد هذا الشّيخ في مدينة "نفطة" بالجنوب التّونسي في  16 أغسطس سنة 1876م. تأثّر في نشأته الأولى بأبيه وبخالِه السّيد محمد المكّي بن عزوز الذي كان مِن كِبار العلماء، وموضِعَ احترام رجالاتِ الدّولة العثمانية يومئذٍ، والذي قَضَى الشّطرَ الأخيرَ من حياته في الآستانة تلبيةً لرغبةِ السّلطان عبدالحميد الثّاني (1842-1918م)، وله مُؤلَّفاتٌ عِلميَّة معروفة، وترجمةٌ في بعضِ كُتب التّاريخ.

 حفظ صغيرًا القرآن الكريم، وألَمَّ بجانبٍ من الآداب، والعلوم العربيَّة، والشّرعيَّة. وفي الثانية عشرة من عمره انتقَل مع أُسرته إلى تُونس العاصمة، والْتَحَق بجامع الزّيتونة. وفي الزّيتونة تقدَّم في تحصيل العِلْم، وظهرتْ أمارات نبوغه في علومِ العربية، وعلوم الشريعة، وتجلَّى ذوقُه الأدبي، في الإنشاء، حتى لقدْ طلبتْه الحُكومة ليتولَّى بعض الخطط العِلمية، قبل إتمامه دراسته، لكنَّه اعتذرَ عن عدمِ القَبول لرغبةِ حُكومة تونس الفَرنسية؟!

وفي سَنة 1903م نالَ شهادةَ العالميّة، وأصبح مِن علماء الزّيتونة، وفي العام نفسه الذي تخرَّج فيه في جامع الزيّتونة أنشأ مَجلَّة "السّعادة العُظمى" التي كانتْ رائدةً للمجلاَّت العلمية والأدبية في بلادِ الشّمال الإفريقي يومئذ.

وفي 9 يونيو سنة 1906م، ألْقَى في نادي قدماء خرِّيجي المدرسة الصّادقية محاضرةً عن "الحرّية في الإسلام"، فكشَفَ بها عن موقِفٍ فِكري ذي مغزًى في بلد يستبدُّ بحُكمه المستعمِرون الفَرنسيُّون. ثم ما لَبِث أنِ استقالَ مِن قضاء بنزرت، وعادَ إلى تونس العاصمة، وتطوَّع للتّدريسِ بجامِع الزيتونة، ثم أُحيلَتْ إليه مهمَّة تنظيمِ خزائنِ الكُتب الخاصَّة بهذه الجامعة، وتَمَّ تعيينه رسميًّا، مدرسًا بجامع الزيتونة.

ولَمَّا قامت الحرب الطرابلسيَّة في 29 مِن سبتمبر سنة 1911م بيْن إيطاليا والدولة العثمانية، وزحفتِ الجيوش الإيطالية فاحتلَّتْ طرابلس وبنغازي، وقَفَ الشّيخ الخضر بقَلمِه ولسانه، ومِن خلال مجلته "السعادة العظمى" يَستنفِرُ الأُمَّة لتقاومَ الغزو الإيطالي، ويستنهض الدّولة العثمانية لاستخلاصِ الحق من غاصبيه.

وكان لا بدَّ من الصِّدام بيْن سعي الشيْخ المناضل، وبيْن سلطات الاستعمارِ الفَرَنْسي في تونس، فوجَّهتْ هذه السلطات إليه في سنة  1911م تُهمَة "بث رُوح العداء للغَرْب، وبخاصَّة لسّلطة الحماية الفَرَنسية في تونس"، فلمَّا استشعر الشيخُ الخطرَ على حياته، غادَر تونس إلى الآستانة، بحُجَّة الرغبة في زِيارة خاله السّيد محمد المكي بن عزوز، الذي كان يعيش هناك، وكانت رحلتُه هذه إلى الآستانة عبرَ مصر، فدمشق.

 لكنَّه لم يلبثْ أن حنَّ إلى وطنه تونس، فعادَ إليه، عبرَ نابولي في إيطاليا ونشَر أخبارَ رِحلته هذه، وعينتْه الحكومة عضوًا بإحدى لِجان التاريخ التُّونسي، لكن الجو الخانق الذي كان مفروضًا على تونس مِن سُلطات الاحتلال الفَرَنسي دَعاه إلى الهجرة ثانية، فقصَد إلى دمشق، وهناك عُيِّن مدرسًا للّغة العربيّة في المدرسة السّلطانية سنة 1912م.

وخلال تلك الفترة سافَر إلى القُسطنطينية فوَصَلها يوم إعلان حرْب البلقان "الرّوسية - العثمانية" في أكتوبر سنة 1912م، ثم عاد إلى دمشق، ومنها سافَر بسِكَّة حديد الحجاز إلى المدينة المنوَّرة سنة 1913م، ثم عاد إلى دمشق. ومِن دمشق سافَر إلى الآستانة مرّة أخرى، ولقِي وزير حربيّتها أنور باشا ( 1882 – 1922م)، فاختارَه محرِّرًا عربيًّا بالوزارة، ولقد أُتيحتْ له الفُرْصة ليلمسَ عوامل الفساد التي تفتك بمقوِّمات الدولة العثمانية.

وفي سنة  1915م أرْسَله أنور باشا إلى العاصمة الألمانية بِرلين في مهمَّة رسمية، فمكَث بها تسعةَ أشهر، اجتهد خلالَها أن يتعلَّمَ اللغة الألمانية.  ومِن بِرلين عادَ إلى الآستانة، وما لبِث أن ضاقتْ به، فحنَّ إلى دمشق، وعاد إليها.

وفي دمشق اعتقلَه أحمد جمال باشا (1872 – 1922م) الحاكِم العام في سورية، فيـ يوليو 1916م لعِدَّة أشهر، حتَّى أنقذَه من السِّجن تدخُّلُ وزير الحربية العثماني أنور باشا، فغادَر دمشق بعدَ الإفراج عنه إلى الآستانة، فأوْفَدَه أنور باشا ثانية، إلى بِرلين سنة 1917م، فالْتَقَى فيها بزعماء الحَرَكات الإسلامية هناك، مِن مثل الشيخ عبدالعزيز جاويش (1876- 1929م)، والدكتور عبدالحميد سعيد (1882 – 1940م)، والدكتور أحمد فؤاد (1886 – 1931م)، ثم عادَ بعد فترة طويلة، إلى الآستانة، ومنها رجَع إلى دمشق للتّدريس في المدرسة السلطانية.

وفي سنة  1918م سافَر من دمشق إلى الآستانة، وكانتِ الحرب العالمية الأولى في نهايتها، ومنها توجَّه إلى ألمانيا للمرة الثالثة، فقضَى بها سبعةَ أشهر، وكانتْ نذر الزوال للدولة العثمانية تطلُّ في الأُفق، فعاد من ألمانيا إلى دمشق مباشرة.

• وصادفتْ عودته إلى دمشق إقامَةَ الحُكم العربي بقِيادة فيصل بن الحسين (1883 – 1933م) سنة 1919م، لكن الاحتلال الفَرَنسي عاجَل هذا الأملَ العربي سنة  1920م، ففكَّر الشيخ الذي هاجَر من تونس المحتلَّة بالفَرَنسيِّين، في العودة إليها بعدَ أنِ احتلُّوا دمشق أيضًا، لكنَّه رحَل إلى القاهرة، وألْقَى بها عصا تَرْحاله الذي استمرَّ عشر سنوات.

وفي القاهرة أعانَه الاستقرارُ على الإنتاج العِلمي المنظَّم، والنشاط الإصلاحِي الدائم، فوضحتْ معالِم نهجه في التجديد والإصلاح، وتكوَّنتْ مِن حوله حلقاتُ الطلاب والمريدين، وأخذتْ تأثيرات عِلمه وإصلاحه تلفت إليه أنظارَ العلماء وطلاَّب الإصلاح. وفي سَنة 1925م بدأتْ معاركه الفِكرية الكُبرى بكتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحُكم"، وفي العام التالي (1926م) ظهَر كتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين فردَّ عليه الشيخ بكِتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، فصنع معه ما صَنَع مع كتاب "الإسلام وأصول الحكم" عندَما فنَّده فِقرةً فِقرةً، وفِكرةً فِكرة، مع أدبٍ رفيع في الحوار، وبراعةٍ في الجدَل، كشفتْ عن عقل متمكِّن ومتمرِّس في ميدان البحْث والمناظرة.

 عندما قامتِ الثّورة المصرية في 23 من يوليو سَنَة 1952م كان منصِب شيخ الأزهر شاغرًا، فوقَع اختيار الثوْرة وحكومتها على الشيخ الخضْر إمامًا أكبر، وشيخًا للإسلام ووجهًا مشرِقًا لهذه الجامعة العَريقة. وعندَما أحسَّ بضغوط تَحُول بينه وبيْن تنفيذ ما يُريد، أو تَطلُب منه تنفيذَ ما لا يَرضَى، صمَّم على الاستقالة في 7 من يناير سنة 1954م قائلاً كلمته الشهيرة: "يكفيني كوبُ لبن وكِسْرة خبز، وعلى الدنيا بعدَهما العَفاءُ"!

  ومنذ ذلك التاريخ تَفرَّغ للبحْث والكتابة والمحاضرة، حتى وافاه الأجَل، فانتقل إلى جوار ربِّه مساءَ يوم الأحد 3 من فبراير سنة 1958م، فشيَّعه العلماءُ والفضلاء، والعارِفون لفَضْله وعِلمه ونضاله.

لقد كان عقلاً إسلاميًّا مجدِّدًا، ومناضلاً في سبيلِ النهضة العربية والإحياء الإسلامي، يتحلَّى بخُلُق الأولياء والصِّدِّيقين والشُّهداء. فهو في تونس يُواجِه الاستبدادَ الاستعماري، والمسخَ الحضاري بالدعوةِ إلى إحياء العربية؛ لتكونَ سِلاحًا في معركة الأمَّة من أجْل حريتها، واستخلاص هُويتها العربية الإسلامية، ويَستنهِض الشعبَ بإبراز قِيمةِ ومكانة "الحرية" في الإسلام، ويدفَع الثمن هجرةً مِن الرُّبوع التي نشأ فيها.

عن الكاتب

د. مصطفى الستيتي

باحث متخصص في التاريخ العثماني.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس