د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

تجلى البعد التنظيمي للحركة السنوسية في شخصية الشيخ المجاهد (المؤسس) محمد بن علي السنوسي (1787 – 1857م) في بنائه الزوايا التي تربىّ فيها أتباعه، فكانت الزوايا ركيزة نظام الحركة السنوسية، ومثلت التطبيق العلمي لأفكار ابن السنوسي التي دعا إليها في ليبيا والعالم الإسلامي.

كان نظام الزوايا معروفاً في العالم الإسلامي، فكلمة الزاوية أطلقت عند أتباع الجماعات الصوفية على مكان يختلي فيه أتباع الطريقة والقائمون عليها بأنفسهم، ويتقربون إلى الله بالعبادة ليلاً ونهاراً، منقطعين عن الناس وعن الحياة، مكتفين بكفالة الناس لهم.

اختلفت الزوايا السنوسية عن غيرها من حيث مواقعها وبنائها، ومن حيث تنظيمها ورسالتها، لقد استطاع ابن السنوسي بعقليته التنظيمية أن يطور مفهوم الزوايا بحيث أصبحت تمثل النواة الأولى لمجتمع تحكمه سلطة، وعليه واجبات اجتماعية واقتصادية وسياسية ودعوية وجهادية. وقد استطاع ابن السنوسي أن يؤسس تنظيماً هرميّاً للحركة، وتدرج البناء في:

1 ـ شيخ الطريقة أو رئيس النظام، وهو الرئيس الأعلى لها.

2 ـ مجلس الإخوان (الشورى)، ومهمته مساعدة شيخ الحركة في تعيين شيوخ الزوايا.

3 ـ شيوخ الزوايا.

4 ـ الإخوان، ومهمتهم كسب الأعضاء العاديين إلى الحركة.

استطاع الشيخ ابن السنوسي أن يربط بين جميع زوايا الحركة برباط متين من المخابرات ولجان التفتيش وفق نظام دقيق بين زوايا التي انتشرت في تونس والجزائر وبرقة ومصر وتشاد، وكانت التقارير تصل إلى عاصمة السنوسية "الجغبوب" بسرعة فائقة.

كانت العقلية التنظيمية عند ابن السنوسي تهتم بالتخطيط السليم، والإدارة الناجحة، وكان تخطيطه يعتمد على تحفيزه لأتباعه والاستعداد لما سيواجههم في المستقبل، وكان ذلك ناتجًا من فهمه لكتاب الله عزو وجل وآياته {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفَال: 60].

في قراءة متأنية للبناء التنظيمي للزوايا في الحركة السنوسية نستنتج بأن ابن السنوسي استفاد من سُنة الأخذ بالأسباب حيث إن مفهوم التوكل عند ابن السنوسي، يعني: الأخذ بالأسباب المادية المتاحة مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى، لذلك استطاع أن يشيد البناء التنظيمي البديع المتين، وفق أسس ونظم رائعة، وهي:

أولاً: الأسلوب الذي تُبنى به الزاوية

1 ـ تبنى الزاوية في قطعة من الأرض المختارة بالاتفاق مع القبيلة التي تملك الناحية.

2 ـ يعين ابن السنوسي لهذه الزاوية رئيساً يلقب بـ (الشيخ).

3 ـ تكون تكاليف بناء مسكن الشيخ والمسجد والمدرسة من الأهالي.

4 ـ للزاوية حرم كبير يحيط بها من الجهات الأربع؛ يكون امناً لمن دخله واستجار به .

ثانياً: مواقع الزوايا

تميزت مواقع الزوايا بصفات سياسية، وتجارية، وعسكرية؛ فمن الناحية السياسية: نجد الزوايا تنتشر في الدواخل أكثر من انتشارها في السواحل، وذلك راجع إلى حرص ابن السنوسي على الابتعاد عن نفوذ السلطة الحكومية، ولذلك فضل ابن السنوسي أن يتوغَّل بزواياه في الصحراء، أما الأهمية الاقتصادية فتتمثل في إقامة معظم الزوايا في طريق تجارة القوافل، فالمتتبع لمواقع هذه الزوايا في الأراضي الليبية مثلاً يلاحظ ارتباطها بطرق قوافل التجارة؛ مما جعل ابن السنوسي يستخدم زواياه والقبائل التي توجد الزوايا في أراضيها لاستغلال التجارة وتنشيطها، مما كان له أثر كبير في تحريك عجلة البلاد الاقتصادية، ولها أهمية عسكرية أيضا؛ وجدنا معظم الزوايا تقام على مناطق مرتفعة حصينة حتى يمكن للإخوان السنوسية الدفاع عنها ضد المغيرين من الداخل أو الأعداء من الخارج، ومن ثم بُني الكثير من الزوايا على أنقاض الأطلال الإغريقية والرومانية فيما مضى والعثمانيين فيما بعد. هذا إلى جانب أن ابن السنوسي اتبع في إنشاء الزوايا نظاماً خاصّاً يدل على الأهمية العسكرية للمواقع التي اختارها للزوايا، فبدأ من مواقع على شاطئ البحر المتوسط، وبنى بهذه المواقع الحصينة زوايا؛ تبعد كل زاوية عن التي تجاورها مسافة ست ساعات، ثم أنشأ خلفها زوايا مقابلة لها تبعد كل منها عن الأخرى المسافة نفسها، حتى إذا هوجمت الزوايا الأمامية التي بالشاطئ استطاع الإخوان وأهل الزاوية أن ينتقلوا بسهولة إلى الزوايا الخلفية، وبمعنى آخر استطاع ابن السنوسي أن يقيم من الزوايا خطوط دفاع متتالية يساند الخط الثاني الخط الأول، ويساند الخط الثالث الخط الثاني، وهكذا، وكل هذا تم دون أن يثير ابن السنوسي ثائرة أو شكوك الحكومة العثمانية.

هكذا استطاع الشيخ المؤسس محمد بن علي السنوسي أن يشيد حركة دينية واجتماعية قوية البناء عزيزة الجانب خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وتسلمت الحركة مسؤولية الجهاد الوطني ضد الاستعمار الإيطالي والغربي، ومثله أشخاص مثل عمر المختار وسلمان الباروني وإدريس السنوسي ومئات الأبطال لأكثر من نصف قرن من الزمن حتى وصل محمد إدريس السنوسي لحكم المملكة الليبية المستقلة عام 1951. ومع ذلك، بقي تأثير الحركة الجهادي والتنظيمي ممتدًا إلى دول الشمال الأفريقي وخاصة في دعم كفاح الشعب الجزائري والتونسي والمغربي وجميع المسلمين في أفريقيا. 

المراجع:

1-  محمد الطيب بن إدريس الأشهب، السنوسي الكبير، مطبعة محمد عاطف.
2-  محمود عامر، تاريخ ليبيا المعاصر، منشورات جامعة دمشق، 1991.  
3-  محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة، دار الفكر، 1948.
4-  عبد الجليل الطاهر، المجتمع الليبي، المكتبة العصرية، صيدا، 1969.
5- مصطفى بعيو، دراسات في التاريخ الليبي، القاهرة، 1945.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس