أردان زنتورك – صحيفة ستار – ترجمة وتحرير ترك برس

إن الآراء العامة في العاصمة الروسية موسكو تميل إلى أن الرئيس الأمريكي ترامب سيرفع مستوى التوتر العسكري إلى أعلى درجة ممكنة ثم يعطي المجال لمخاطبيه من أجل إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي.

لكن أعتقد أنهم يخطئون في آرائهم، لأن هذه الأزمة أدت إلى عودة العالم لعام 1971، ربما سياسة "الرجل المجنون" التي اتبعها الرئيس الأمريكي "ريتشارد نيكسون" في سنة 1971 هي سياسة مناسبة جداّ للرئيس الأمريكي الحالي ترامب، لكن الفرق هو أن ترامب لا يحتاج الاعتماد على مثل هذه السياسة لأنه رجل مجنون بالفعل.

إن تصريحات نيكسون التي أفاد بها خلال الانتخابات الرئاسية في سنة 1968 والتي تنص على استخدام الأسلحة النووية عند الضرورة قد أبهرت الرأي العام الأمريكي، وأدى ذلك إلى وصول نيكسون لمنصب الرئاسة من خلال تصويت الناخبين القلقين تجاه مسألة الاتحاد السوفيتي له، والصدفة الغريبة في المسألة هي أن ترامب قد أجاب على أسئلة الصحفي والمعلّق السياسي "كريس ماثيوز" في سنة 2016 بعبارة "إن استخدام الأسلحة النووية في يوم ما هو احتمال واقعي، وذلك أمر طبيعي جداً لأن أمريكا صنعت هذه الأسلحة من أجل استخدامها عند الضرورة".

إن نظرية "القوة موجودة من أجل استخدامها، ويكفي أن يكون مستخدم القوة بارعاً في أساليب الإقناع" هي استراتيجية مُتشكّلة في سنة 1950 من خلال تصريح الرئيس الأمريكي "آيزنهاور" في تلك الفترة بأنه سيستخدم الأسلحة النووية من أجل إيقاف الحرب الكورية، وبالتالي أدت تهديدات آيزنهاور إلى دفع القائد الصيني "ماو"  للقلق والتراجع.

في حين أن مطوّر هذه النظرية هو "دانيل إيلسبيرغ" المتحدث الرسمي باسم "هينري كيسينجر" وزير الخارجية الأمريكية ومستشار الأمن القومي في ظل الإدارة الرئاسية لريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، وذلك من خلال نشر بعض الأوراق الرسمية حول مواقع وزارة الدفاع الأمريكية التي تتعلّق بحرب "فييتنام"، إذ كانت هذه الأوراق توضّح أن وزارة الدفاع الأمريكية كانت على دراية بكمية الخسائر التي قد تؤدي إليها حرب فييتنام ولكنها لم تُظهر أي اهتمام تجاه هذه المسألة، والنظرية التي قام بتطويرها بالتحديد تنصّ على ضرورة توفّر بعض الشروط في من يريد الجلوس على طاولة المفاوضات، وتعتمد هذه الشروط بشكل رئيس على مبدأين، الأول هو أن يكون شخصاً لا يمكن توقّع خطواته المقبلة، والثاني هو إظهار القدرة على استخدام القوة الموجودة في أي لحظة.

قام نيكسون في سنة 1971 بتهديد فييتنام الشمالية باستخدام الأسلحة النووية، ورفع مستوى نظام الأسلحة النووية إلى الدرجة الأعلى لمدة ثلاثة أسابيع متواصلة، وبذلك نجح في إيقاف الاتحاد السوفييتي، لكن استمرار الحرب لمدة أربعة سنوات عقب عروض القوة التي قدّمها نيكسون كان أمراً لافتاً للانتباه.

في الواقع كان نيكسون وكيسينجر ذوي شخصيات عاقلة جداً، ولكنهم لعبوا دور الشخصيات المجنونة خلال حرب فييتنام من أجل دفع الطرف الآخر للخوف والقلق وبالفعل نجحوا في ذلك، ولكن ترامب هو شخص مجنون بالفعل ولا يحتاج إلى تمثيل هذا الدور، وكذلك ترامب على دراية تامّة بالنواحي الإيجابية الناتجة عن كونه شخصاً مجنوناً لا يمكن توقّع خطواته مسبقاً، ولهذا السبب يستمر بالتصرّف في هذا الشكل، وعلى سبيل المثال صرّح ترامب بأنه سيتخّذ قراراً هاماً حول الهجمات الكيميائية التي نفّذها نظام الأسد في منطقة دوما، لكن الأمر الغريب هو أنه لم تتمكّن أي جهة من توقّع هذا القرار مسبقاً.

والتوقّعات المزعومة في هذا السياق هي أن ترامب يوجّه لروسيا والصين رسالة "أنا أملك القوة الكافية لمواجهة روسيا والصين معاً عند الضرورة، وسأتخذ قراري حول هذه المسألة بناء على الأجوبة التي ستأتي من هاتين الدولتين".

وبالنسبة إلى التوقّعات التي تشير إلى أن مبادرات أمريكا المدعومة من قبل بريطانيا وفرنسا هي مجرد تمثيل وأن ترامب سيمتنع عن استخدام الأسلحة النووية هي توقّعات غير صائبة، لأن القوى الإمبريالية مثل أمريكا قد تلجأ إلى أساليب المناورة الدبلوماسية من أجل مواجهة الضغوطات السياسية، لكن عندما تتعلّق المسألة بالهزيمة العسكرية فإن هذه القوى تكون ذات خطورة لا يمكن توقّع مداها.

ونظراً إلى الأسباب المذكورة لا يمكن تجاهل حقيقة أن المدة بين بداية الحرب وبين إطلاق الأسلحة النووية قد تكون عبارة عن فترة قصير جداً، وكذلك احتمال تحوّل صراع صغير إلى حرب نووية كبيرة بين الدول، ولذلك إن الأمر الأهم في هذه الحالة هو طبيعة الموقف الذي سيتخذه بوتين ونظيره الصيني "شي جينبينغ" تجاه العرض العسكري الصادر عن التحالف الأمريكي-البريطاني-الفرنسي.

عن الكاتب

أردان زنتورك

كاتب في صحيفة ستار


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس