عبير النحاس - مجلة غارتشيك حياة التركية

كتبت في مقالتي السابقة أن من يعتقد أن المؤامرات على تركيا ستتوقف بعد الانتخابات مخطئ جدا.

إن مشهد احتفالات الأتراك لم يكن سعيدا أبدا لأعداء تركيا، ولم تكن احتفال العرب والسوريين تحديدا في الوطن العربي والعالم بنتائج الانتخابات مرضيا أبدا.

لقد فرح السوريون لأن الرجل الوحيد الذي فتح لهم بلاده وعاملهم بإنسانية وكرامة وساوى بينهم وبين شعبه قد فاز، وأن فوزه يعني لهم الأمان، والعدل، والكرامة، والاستقرار، والحرية، والتعليم، والإنجاز لسنوات قادمة أخرى، ومن يرى متاعب السوريين في البلاد العربية وحتى الأوروبية يعرف تماما أسباب فرحهم وسعادتهم بنتائج الانتخابات.

وعندما ترى أطفال السوريين تقتلهم العقارب في الصحراء على الحدود الأردنية المغلقة في وجوههم بعد هربهم من القصف، ومعاناتهم في لبنان، ستفهم حجم المحبة والولاء والتقدير الذي يشعر به من يقيم في تركيا لحكومتها ورئيسها.

من الطبيعي جدا أن تستهدف المعارضة التركية السوريين في حملات التشويه وتستخدمهم كأداة في صراعها مع الحكومة وقد فعلت هذا من قبل في الانتخابات عندما استخدمتهم كأداة للحصول على الأصوات وأعلنت أن ترحيلهم سيكون الهدية التي يقدمونها للشعب التركي، وفعلت هذا في الانتخابات السابقة أيضا، ولا أتوقع أن الأمر سيتوقف قريبا.

ومن الطبيعي جدا أن يستهدف السوريين من قبل الدول العربية التي دعمت الانقلاب الفاشل في تركيا، وما زالت تدفع الأموال لإفشال حكومتها ورئيسها وإركاعها لاسترضاء حليفهم الأول الولايات المتحدة الأمريكية، وإعادة مفاتيح التحكم والسيطرة إليها بعد أن فقدتها على يد الحكومة التركية ورئيس البلاد.

ولن يترك النظام السوري الذي أعلنت المعارضة أنها ستعيد العلاقات معه حال فوزها فرصة للتنغيص على السوريين في تركيا، والإساءة إليهم ،وتخويفهم، بالتزامن مع دعواته لهم ليعودوا إلى سوريا ليكمل معهم حكاية الذل والقهر والتعذيب والقتل.

لن تهنأ إسرائيل التي سارعت لدعم السوريين على حدودها لتلميع صورتها بأن تبقى صورة تركيا الإنسانية ناصعة في عين العرب والسوريين وضعفاء هذا العالم وهي التي تسعى مع حلفائها بخطى حثيثة للتطبيع وإذابة الحواجز والكراهية بينها وبين الشعوب العربية وتحسين صورتها في العالم.

ولن يسعد الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تسيطر على تركيا أن تقف من جديد وتعود كدولة قوية حرة مستقلة بعد أن كانت تسيطر عليها عبر حكومات هشة سابقة.

ندرك كسوريين جيدا أن قسما من الأتراك لا يرحب بوجودنا، وانهم يحملون صورة سيئة عنا وعن العرب جميعا.

 وندرك جيدا أننا لسنا ملائكة، وأن بيننا من جاء إلى تركيا لحفظ ممتلكاته وليس هربا من ويلات الحرب.

 ونعلم تماما أن هناك من رجال النظام هنا بيننا، وأن مهمتهم مراقبتنا وإثارة الفتنة والتخريب.

ونحن من يتمنى أن يتم ترحيل المخربين ومن لا يحترم قوانين وعادات الأتراك، بل ندعو الحكومة التركية لهذا لعلمنا أن هذا لصالح الأغلبية التي تريد العيش بسلام وأمان وحسب.

لا ينتمي السوريون لطبقة اجتماعية واحدة بالتأكيد، وهناك تفاوت كبير بيننا في أسلوب الحياة والثقافة والفكر، وبالتأكيد سيكون هذا موجودا بيننا وبين الأتراك.

 نحن ننتمي إلى طبقات اجتماعية وثقافية مختلفة جدا، وهناك فوارق كبيرة بيننا كذلك في مستوى التدين، والوعي الاجتماعي، والسياسي، والديني، وحتى الحالة المادية.

وهذا طبيعي في كل بلد، وليس من الحكمة التعميم مطلقا، كما أنه من غير المعقول أن نصف الشعب التركي بصفة واحدة والاختلافات بينهم موجودة بقوة، وهو الطبيعي والعادي بالتأكيد.

لكننا ندرك جيدا أننا كأمة لم نضعف ولم ينل منا أعداءنا ويسيطروا على بلادنا وثرواتنا ليعمروا بها بلادهم إلا عندما تفرقنا وباتت تركيا وحيدة، وأندنوسيا وحيدة ، والباكستان وحيدة، وقسمت البلاد العربية إلى قطع غاية في الصغر يقود كل تلك البلاد عملاء للغرب وحسب، وأن الولايات المتحدة الأمريكية وصنيعتها إسرائيل بعد انتصارها على إنكلترا وقيادتها للعالم منفردة لن يهدأ لها بال عندما نتجمع من جديد ونعرف و نحب بعضنا وتنهض دولة من دولنا بقوة كما فعلت تركيا.

سيستمر استهداف السوريين لضرب السياحة في تركيا، وإظهار البلاد مضطربة عبر الفيديوهات التي تظهر تكسير محالهم وممتلكاتهم وضربهم.

وسيستمر تحريض الأتراك عليهم من جهة أخرى عبر وسائل إعلام يهمها أن تفعل هذ وإن كان يضر بمصالح بلدها لأن ما يهمها هو الكيد للحكومة وحسب.

وسيستمر تشويه سمعة تركيا عند العرب بكل وسيلة، كما حدث عندما قامت بلدية اسنيورت بإزالة اللافتات العربية التي لا تتبع القانون القائل بأن 70% من اللوحات يجب أن تكتب بلغة البلد فتلقفت الصحف ووسائل الإعلام العربية والغربية الخبر بقولها إن تركيا تحارب اللغة العربية، وبدأت التحليلات والتأويلات.

وسيستمر النظام السوري في إرسال رجاله والأموال لمنع السوريين من الشعور بالأمان والاستقرار وللانتقام من تركيا.

لكننا كسوريين لن ننسى يوما لتركيا وللشعب التركي ما قدموه لنا من أمان وحماية وكرامة وإنسانية.

 ونحن نعلم وندرك جيدا كم من الأيدي والأموال الخارجية ستدفع لتفرق بيننا من جديد لكنها لن تفعل لأننا أصبحنا نعرف جيدا من هم الأتراك، وحقيقة أننا حقا أمة واحدة، وقلب واحد، وتاريخ واحد، ومستقبل واحد أيضا.

 وأننا نحب وجودنا بينكم.

عن الكاتب

عبير النحاس

كاتبة وروائية سورية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس