د. علي حسين باكير - العرب القطرية

في مايو من عام ٢٠١٧، شارك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قمة «طريق الحرير» في بكين، والتي كانت بمثابة إطلاق رسمي لرؤية المشروع الذي تلعب تركيا فيه من الناحية الجيوبوليتيكية دوراً محورياً. تكثفت الزيارات الرسمية بعدها بين المسؤولين الأتراك والصينيين، كما حافظ زعيما البلدين على تواصلهما مع بعضهما البعض. مؤخراً، شاركت تركيا في قمة الـ «بريكس» التي انعقدت في جوهانسبورج بجنوب إفريقيا. لم يخف الرئيس التركي طموح بلاده للانضمام إلى هذا التجمّع، ومن بين الاجتماعات الجانبية التي عقدها على هامش هذه القمة، اجتماع مع الرئيس الصيني ضم وفداً كبيراً شمل وزير الخارجية، ووزير الخزانة والمالية، ووزير الدفاع، وعدداً آخر من الوزراء والمستشارين. 

تزامناً مع انتهاء القمة، أعلن براءة البيرق وزير الخزانة والمالية التركي عن نجاح بلاده في الحصول على حزمة قروض من مؤسسات مالية صينية، بقيمة 3.6 مليار دولار، وذلك لصالح القطاع الخاص والمؤسسات المهتمة بالاستثمار في مجالي الطاقة والمواصلات على وجه الخصوص. جاءت هذه الخطوة كثمرة للمحادثات التي جرت سابقاً مع رئيس البنك الصناعي والتجاري الصيني، حيث تم بحث التعاون الاستراتيجي طويل الأمد، وتمويل الاستثمارات في مجال الطاقة في تركيا.

قبل عدة أيام فقط، أعلن الرئيس التركي أن بلاده تعتزم إصدار سندات مقومة باليوان الصيني للمرة الأولى، وذلك بهدف تجاوز العقبات التي يتم وضعها أمام تركيا للاقتراض من الخارج، في وقت يسعى فيه المشرعون الأميركيون إلى حرمانها من القروض، عبر المؤسسات الدولية على خلفية ملف القس برانسون. 

وكما في الشق الاقتصادي، هناك رغبة في تطوير العلاقات السياسية والعسكرية مع الصين. في مرحلة من المراحل، كانت بكين مرشحة لأن تزود أنقرة بنظام دفاع صاروخي بعيد المدى محلي الصنع من طراز (أف دي- ٢٠٠٠)، قبل أن يتم التخلي عن هذا الخيار في نهاية المطاف لصالح خيار (أس-٤٠٠) الروسي. يشعر المسؤولون الأتراك بالحاجة إلى تعزيز الاعتماد على الذات وتوسيع قاعدة الشراكات مع القوى الدولية للوصول إلى نفس الهدف. ومن هذا المنطلق، فهم يعتبرون أن علاقات أعمق مع الصين تعني خيارات أوسع للتخلص من الاعتماد الاستراتيجي على الغرب، وعلى الولايات المتحدة تحديداً. في هذا السياق، لا يعد التوجه نحو الصين استثناءً، إذ إن الخطوات التي سلكتها تركيا باتجاه روسيا، خلال العامين الماضيين، تصب في نفس المسار أيضاً. 

لا يأتي مثل هذا الخيار من دون تكاليف بطبيعة الحال. القوى الغربية ترى في هذا التوجه تحولاً في خيارات تركيا الاستراتيجية، ولذلك تنظر إليه بشكل متزايد على أنه موجه ضدها. في المقابل، تبحث القوى الصاعدة الأخرى إلى استغلال تركيا سياسياً من أجل تفكيك المعسكر الآخر وتشتيته. وبهذا المعنى، فقد تتحول تركيا إلى عنوان صدام بدلاً من أن تكون في موقع الاستفادة من الطرفين. فيما يتعلق بالصين تحديداً، هناك تحديات سيكون من الصعب تجاوزها على المدى القصير أو المتوسط. لا يزال الميزان التجاري يميل لصالح بكين بشكل هائل بواقع حوالي ٢٣ مليار دولار، كما يشكل ملف المسلمين الإيغور والظلم الشديد الذي يتعرضون له من قبل السلطات الصينية، صداعاً مزمناً للعلاقات التركية- الصينية. هذه المعطيات تؤكد مجدداً على أن مصلحة تركيا تقتضي البحث عن تنويع علاقاتها بما يضمن في نهاية المطاف مصلحتها، بدلاً من الاتجاه المفرط نحو طرف من الأطراف.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس