د. علي حسين باكير - خاص ترك برس

أثار اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي يوم الثلاثاء الماضي عقب دخوله القنصلية السعودية نقاشاً واسعاً حول طبيعة الحصانات والامتيازات التي ينص عليها القانون الدولي فيما يتعلق بعمل البعثات الدبلوماسية والقنصلية في البلد المضيف. وفي هذا السياق، أثيرت تساؤلات عمّا إذا كان بإمكان الجانب التركي اقتحام القنصلية للبحث عن خاشقجي أم لا. وفيما أشار البعض الى انّ "اعتبار السفارة جزءا من إقليم الدولة الموفدة" يمنع الدول المضيفة من التدخل، لفت البعض الى أنّ هذه المقولة هي مجرّد شائعة لا يرددها إلا العرب وأنّ اتفاقية فينّا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961 ألغتها.

في حقيقة الأمر، فإن اعتبار مقر البعثة جزءً من أراضي الدولة الموفدة داخل الدولة المضيفة ليس شائعة وإنما نظرية سادت معظم القرن السابع عشر واستمرت حتى القرن العشرين، وكانت الأساس الذي يتم الاعتماد عليه لتبرير إعطاء الحصانات والامتيازات الدبلوماسية. وقد عرفت هذه النظرية باسم "نظرية التجاوز الإقليمي" واستتبع اعتمادها اعتبار أنّ مقر البعثة لا يخضع لسلطان الدولة المضيفة لأنه نظرياً يعتبر جزءًا من أراضي الدولة الموفدة.

لكن أثارت هذه النظرية إشكاليات عديدة، وتمّ الاعتراض عليها من قبل العديد من الفقهاء القانونيين، واعتبرت غير واقعية ولا يمكن تطبيقها أيضاً لتبرير إعطاء الحصانات والامتيازات إلى حالات أخرى كبعثات المنظمات الدولية، ولمّا لم تذكرها اتفاقية فينّا للعلاقات الدبلوماسية للعام 1961، فقد تمّ إهمالها تماماً واستبدالها بنظرية مقتضيات العملي الدبلوماسي.

وبالعودة إلى نظام الحصانات والامتيازات القنصلية، فهي تستند في الأساس إلى إتفاقية فينّا للعلاقات القنصلية لعام 1963. تتألف هذه الاتفاقية من 79 مادة، وهي دخلت حيز التنفيذ في العام 1967، وتقر حصانات وامتيازات للقنصلية شبيهة بتلك التي تتمتع بها البعثة الدبلوماسية لكن في نطاق أضيق يتيح تقييد الإطلاق الذي تتمتع بع البعثات الدبلوماسية في بعض الحالات.

على سبيل المثال، تتمتع الحقيبة القنصلية من حيث المبدأ بنفس خصائص حماية الحقيبة الدبلوماسية لكن بنسبة أقل. بمعنى آخر، في حال كان لدى السلطات في الدولة المستضيفة اعتقاد قوي بأنّ الحقيبة القنصلية تحتوي على أمور مخالفة لما يسمح به القانون، باستطاعتها في تلك الحالة وفق الفقرة الثالثة من المادة 35 من اتفاقية فينّا لعام 1964 طلب فتحها بحضور ممثل عن القنصلية. وإن تم رفض هذا الطلب، يمكن حينها اعادتها بالاستناد الى نفس المادة.

أمّا فيما يتعلق بالحصانات الشخصية للعاملين في البعثة القنصلية فهي ليست مطلقة ويوجد عليها بعض القيود بالاستناد إلى نص الاتفاقية المذكورة. على سبيل المثال، بالإمكان وفق المادة 41 من اتفاقية فينّا لعام 1963 أن يتم إيقاف أحد الأعضاء القنصليين أو سجنه احتياطاً في حال ارتكابه لجناية خطيرة لكن بشرط أن يكون ذلك بناء على قرار من السلطة القضائية المختصة، على أن يتم دون تأخير، وأن يجري إبلاغ رئيس بعثته بالأمر. أمّا إذا كان الأخير هو المعني بالموضوع المذكور، فيجب ان يتم إبلاغ دولته بالطرق الدبلوماسية.

مسألة أخرى تتعلق بهذا الشق من الموضوع. إذ لا شيء يحول دون طلب السلطات المحلية من الموظف القنصلي الحضور لإدلاء شهادته أمام المحاكم المحلية في القضايا المعنية –الجزائية-، لكن إذا تخلف عن الحضور لا يجوز أن يتم اتخاذ إجراء ضده، ويمكن الانتقال في هذه الحالة إلى القنصلية لسماع أقواله أو إلى داره أو من الممكن الحصول على إفادته خطيا وفق المادة 44 من الاتفاقية المذكورة.

حرمة المقرات القنصلية -وهي المسألة الأهم في هذا الموضوع- ليست مطلقة وفق نص الاتفاقية، وهي بذلك أقل من البعثة الدبلوماسية. إذ لا يحق لسلطات الدولة المستضيفة أن تدخل إلى الجزء المخصص للأعمال القنصلية من المقر القنصلي إلا بعد استئذان رئيس البعثة. طبعاً هناك جدال حول ما إذا كان بإمكان السلطات المحلية اقتحام القنصلية، لكن الراجح وفق نص الاتفاقية أنّ دخولها لا يجوز إلا باذن، مع الأخذ بعين الاعتبار بعض الحالات الاستثنائية كالحريق أو الكوارث الطبيعية. في الحالتين الأخيرتين من الممكن الدخول إلى القنصلية مع اعتبار وجود موافقة المسؤول تمت بشكل أوتوماتيكي حتى لو لم يتم أخذها على اعتبار انّ الوضع يتطلب إجراءات وقائية سريعة لحماية القنصلية.

ماذا تستطيع تركيا أن تفعل؟ باستطاعتها طلب تفتيش القنصلية، لكن ذلك لا يتم إلا بموافقة. باستطاعتها أيضاً الطلب من القنصلية التعاون وتزويدها بتسجيلات كاميرات المراقبة التي تثبت الزعم القائل بأنّ جمال خاشقجي قد غادر مقر القنصلية في ذلك اليوم. عدم تعاون الجانب السعودي في هذه المواضيع قد يؤكّد النظرية القائلة بتورّطه في اختفاء خاشقجي.

لكن في المقابل، إن سمح الجانب السعودي لتركيا بتفتيش القنصلية فهذا يعني أنّه واثق من أنّ خاشقجي غير موجود في الداخل. لا يعفيه ذلك من الاتهام بشكل كامل إذ هناك نظرية تقول بأنّ الجانب السعودي قد اختطفه وهرّبه في اليوم الأوّل، وبالتالي هو غير موجود في القنصلية لكنه موجود في حوزة السعوديين. تزويد الجانب التركي بالفيديو الذي يظهر خروج خاشقجي سينقل اللعبة إلى مربّع الجانب التركي، لكن عدم حصول ذلك قد يعقّد المسألة ويتسبب بأزمة دبلوماسية بين البلدين.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس