د. علي حسين باكير - تلفزيون سوريا

شهدت العلاقات التركية- السعودية خلال العقد الماضي حالاتٍ من الصعود والهبوط وذلك على خلفية التطورات الإقليمية المتعلقة بالثورات العربية، والعلاقة مع عدد من الدول لاسيما مصر وقطر. وبالرغم من ذلك، فقد حرص الجانبان دوماً على إبقاء شعرة معاوية بينهما نظراً لحاجتهما المتبادلة إلى بعضهما البعض على الصعيد الإقليمي. برز ذلك بشكل واضح على سبيل المثال إبّان الانقلاب الذي حصل في مصر، والمحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، والأزمة الخليجية الأخيرة. فبالرغم من كل هذه التحدّيات الكبرى، ظل الطرفان على تواصل وبقيت قنوات التواصل مفتوحة، وحاول الطرفان امتصاص الانعكاسات السلبية.  

لكن مع صعود محمد بن سلمان في سلّم السلطة في السعودية، أصبحت أنقرة تشعر بنوع من الارتباك في قراءة مواقف الرياض، وبات من المعتقد أنّ السعودية تقاد برأسين بتوجهات غير متطابقة في بعض الملفات على الأقل، وأنّ سلطات الملك سلمان آخذة في التراجع لصالح ابنه محمد الذي لا تربطه علاقات قوّية مع الجانب التركي، ومن المعروف أنّه رجل الإمارات في السعودية. أدى هذا الأمر إلى فتور في العلاقة مع السعودية وحالة من عدم الثقة، ولا شك أنّ اختفاء جمال خاشقجي على الأراضي التركية، سيختبر العلاقات التركية- السعودية الباردة مجدداً.

وبغض النظر عن النظريات التي خرجت في الأيام القليلة الماضية، فإنه لا يمكن إنكار وجود مسؤولية سعودية عن اختفاء خاشقجي، فالقنصلية السعودية هي المكان الأخير الذي شوهد فيه جمال. صحيح أنّه لا توجد "دلائل جنائية" حتى الآن عن طبيعة الدور السعودي المفترض في إخفاء خاشقجي (حيّاً أو ميتاً)، إلا أنّ لدى من يتّهمون الرياض بمثل هذا العمل حجج مقنعة.

للسعودية سوابق معروفة في اختطاف وإخفاء واعتقال وتعذيب معارضين. ولذلك، ليس من المستبعد أن تقوم بإخفاء خاشقجي خاصّة أنّه كان قد اختار الولايات المتّحدة ليقيم فيها، ولو كان آمناً على نفسه في بلاده لما غادرها في الأساس. أضف الى ذلك أنّ ولي العهد محمد بن سلمان، كان قد ارتكب خلال الفترة السابقة عدداً غير مسبوق من الحماقات على صعيد السياسة الداخلية والخارجية السعودية، وهو ما يعطي الانطباع

بأنّه شخصيّة غير متّزنة وغير عاقلة ويسعى إلى إحكام سيطرته على الحكم بشكل كامل، وإن تطلّب ذلك سجن المئات من الإصلاحيين من رجال الدين أو الناشطين الحقوقيين أو أصحاب الرأي المؤثرين على الرأي العام السعودي أو الدولي.

قد يتساءل البعض عن الفائدة التي قد تجنيها السعودية من اختطاف أو قتل خاشقجي داخل القنصلية. في حقيقة الأمر، فإن إحدى الأفضليات التي قد يتيحها هذا العمل للنظام السعودي هو إبقاء السلطات التركية في نقطة عمياء في مرحلة من المراحل، وامتلاك القدرة على الإنكار لاحقاً، وهو السيناريو الحاصل الآن. اغتيال خاشقجي في أي مكان عام كان سيترك الكثير من الأدلّة والشهود، أي بخلاف الوضع الحالي الذي تقل فيه الأدلّة والشهود بسبب الحصانة الدبلوماسية للمكان وسياراته وطروده.

عموماً، لا يمكن لمثل هذا الأمر أن يستمر طويلاً، فمن المفترض أن يؤدي تحقيق المدّعي العام إلى جمع الأدلة وهذا الإجراء سيكشف للجانب التركي عمّا إذا كانت السلطات السعودية متعاونة في التحقيق أم لا. إذ حاولت السلطات السعودية عرقلة التحقيق من خلال حجب معلومات أو أدلة أو من خلال تقديم روايات متضاربة، فهذا سيؤكد أنّ السعودية متورطة في العملية، وسيأخذ العملية إلى مسار آخر. عدم توفير الصور من كاميرات الصور سيكون موضوعاً مثيراً للاهتمام، وهو عنصر سلبي في الرواية السعودية التي تنكر المسؤولية عمّا جرى لخاشقجي.

في تركيا، وبسبب العمليات الإرهابية التي شهدتها البلاد في السنوات القليلة الماضية، قامت معظم البعثات الدبلوماسية الأجنبية في البلاد بزيادة تحصيناتها وعمليات المراقبة الخاصة بها، كما تمّ توفير حماية تركية إضافية لها، بما في ذلك البعثات الخاصة بالسعودية. ولذلك، فانّ ادعاء القنصل السعودي بأنّ الكاميرات لم تكن تسجّل هو ادعاء يثير التساؤلات حول العبرة من وجودها، إذ أنّ الميزة الوحيدة للكاميرات في حالة البعثات الدبلوماسية هي التسجيل!. من شأن هذا الادعاء أن يفتح ثغرة في الرواية السعودية بحجم بلد، ويعزز من الاعتقاد القائل بأنّ الرياض مسؤولة عن اختفاء جمال.

مسار الاحداث سيتوقف لاحقاً على الأدلة إلى حدّ بعيد، وإذا ما تأكّد بأنّ السعودية مسؤولة، فسيكون هناك تداعيات على العلاقات السعودية-التركية. حجم ومدى هذه التداعيات سيعتمد على تقييم صانع القرار التركي للخيارات المتاحة والتي تتضمن في حدّها الأدنى طرد دبلوماسيين أو تخفيض علاقات دبلوماسية أو قطع هذه العلاقات او إجراء ملاحقات جنائية دولية أو إعداد لائحة مطالبة من السعودية لمنع اتخاذ الإجراءات السابقة...إلخ. عندما يتعلق الأمر بالسيادة، فإن المواقف التركية عادة ما تكون متشددة، ولا شيء يدعو للاعتقاد بأنّ الموقف سيكون مغايراً بالنسبة إلى التعدّي السعودي على السيادة التركية، ففي نهاية المطاف السعودية ليست أقوى من الولايات المتّحدة ولا روسيا حتى يتم خشيتها أو التراجع أمامها.

لكن حتى يتّخذ الجانب التركي قرارات قويّة يجب أن يكون لديه أدلّة قويّة، ولأنّ خاشقجي كان خلال فترة ليست بقصيرة داخل القنصلية فهذا يجعل الجانب التركي – مؤقتاً على الأقل- في "النقطة العمياء" إن صح التعبير. كل ما يقال عن صفقات، أو عن أمكانية سكوت تركيا على النتيجة تبيّن بالدليل أن السعودية مسؤولة عن اختفاء خاشقجي وذلك من أجل حماية المصالح المشتركة هي أقوال غير مستساغة في حدّها الأدنى ولا يوجد ما يدعمها.

صحيح أنّ الطرفين نجحا في الحفاظ على شعرة معاوية خلال المرحلة السابقة في ظل تحديات متعدّدة، لكن أيّاً من هذه التحدّيات لم يكن يتعلق بالشق الثنائي للعلاقات وإنما بطرف ثالث. أمّا وقد اختفى خاشقجي على الأراضي التركية، وإذا ما تبيّن من خلال التحقيق أن السعودية مسؤولة عن ذلك، فهذا يعني أنّ هذا الأمر تمّ من خلال التعدي على السيادة التركية ومن خلال خرق الاتفاقات الدولية المتعلقة بتنظيم العلاقة بين البلدين، وبالتالي لا يمكن أن يتم السكوت عن مثل هذا الأمر، وسيكون هناك تداعيات.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس