د. علي حسين باكير - العرب القطرية

في تصريح له يوم السبت الماضي، قال عادل الجبير وزير خارجية المملكة العربية السعودية إن بلاده ستقوم بمحاكمة المتهمين المحتجزين لديها في قضية مقتل خاشقجي داخل السعودية. يتعارض هذا التصريح مع مطالبة المدعي العام التركي استجلاب هؤلاء للاستماع إلى أقوالهم ومحاكمتهم داخل تركيا، كما أنه يُعدّ بمنزلة رد على مطالبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للملك سلمان بأن يقوم بتسليمهم.

يعتقد البعض أن ارتكاب جريمة داخل مقر القنصلية يعفي المحرمين من الخضوع للقانون المحلي، لكن مثل هذا الاعتقاد خاطئ تماماً. اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية عام 1963 لا تمنح حصانات «مطلقة» للمقارّ والعربات والحقائب الدبلوماسية والموظفين القنصليين، وإنما حصانات «مقيّدة» تتيح للدولة المضيفة تطبيق قوانينها، خاصة في حالة ارتكاب جريمة خطيرة. أضف إلى ذلك أن المتّهمين اختاروا تركيا مكاناً لارتكاب الجريمة، وقاموا بأعمال إجرامية متعددة، شملت إجراء استطلاع داخل الأراضي التركية، والتمويه، وانتحال الصفة، كما استخدموا أدوات لها علاقة بالجريمة ومتعلقات تعود للضحية على الأراضي التركية. كل هذه المعطيات تعني أن السلطات التركية لها كامل الحق بملاحقتهم وفق القوانين المحلية ذات الصلة.

في ما يتعلق بموضوع الحصانات، فإنه وباستثناء القنصل الذي يمتلك «حصانة مقيّدة» حال بقائه في منصبه، فإن باقي المتهمين لا يتمتعون بأي حصانات في تركيا، وإن كانوا يحملون جوازات سفر دبلوماسية. لا ينتهي الموضوع عند هذا الحد بطبيعة الحال؛ فالقانون الدولي يقف في صف تركيا لناحية حقّها في الاستماع إلى أقوال أعضاء فريق الاغتيال وكذلك محاكمتهم إن ثبت تورّطهم، وهو أمر تشير الأدلة التي حصل عليها المدّعي العام التركي إلى تحقّقه بالفعل، سيما بعد إقرار السعودية بقتل خاشقجي داخل القنصلية. يحق للسلطات التركية محاكمة جميع المتهمين المعنيين بقتل خاشقجي طالما أن الجريمة ارتُكبت على أراضيها، لكن بما أنهم غير موجودين داخل الأراضي التركية حالياً، وبما أنهم يحملون جنسية دولة أخرى (السعودية)، فهذا يعني أنه من دون اتخاذ المملكة قراراً بتسليم هؤلاء إلى السلطات التركية سيكون من الصعب جداً على أنقرة إحضارهم إليها. في المقابل، لا يمكن للرياض أن تحجب الحقيقة وأن تعترض في الوقت نفسه على طلب أنقرة تسليمها المتهمين، ومن دون الاعتراف بالحقيقة كاملة لن يكون من السهل لأنقرة التنازل عن حقها في الاستماع إلى شهادة المتهمين ومحاكمتهم.

تمسّك أنقرة بالمطالبة بالمتهمين في مقابل تمسّك الرياض برفض ذلك، يعني أن تفادي إمكانية اندلاع أزمة دبلوماسية بين الطرفين قد يكون صعباً. يحظى الجانب التركي بخيارات متعددة، من بينها إمكانية اللجوء إلى «الإنتربول» لإصدار نشرة حمراء، لكن ذلك لا يضمن تسليم المتهمين إلا إذا حاولوا السفر. يمكن لأنقرة أن تلجأ إلى المحاكم الدولية الخاصة، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تدهور سمعة السعودية وتقويض حكمها، لكن هذه المحاكم لا تمتلك سلطة تسليم المتهمين أيضاً.

في هذه الحالة، تبقى إمكانية عقد اتفاق خاص يسمح للمحققين الأتراك بالانتقال إلى السعودية ممكنة، لكنها ضئيلة جداً؛ مما قد يدفع الجانب التركي إلى خيارات أخرى، تتضمن تسريب مزيد من الأدلة والمعلومات للضغط على الرياض لتلبية مطالبها في تسليم المتهمين، ومعرفة أين هي الجثة، ومن أعطى الأمر بالقتل، وإما مشاطرة الأدلة الموجودة لديه مع المؤسسات الدولية والحكومات الغربية بشكل علني يسمح بفرض عقوبات على السعودية حتى تنفيذ هذه المطالب.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس