د. علي حسين باكير - القبس الألكتروني

شرعت الولايات المتّحدة في تطبيق الحزمة الثانية من العقوبات ضد إيران بعد انتهاء مهلة الـ١٨٠ يوماً التي كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب قد أعلنت عنها سابقا عند الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو ٢٠١٨. وتعتبر هذه الحزمة من العقوبات الأقوى منذ التوصل الى الاتفاق في عام ٢٠١٥، وتشمل بشكل رئيس قطاعات الطاقة والمال والنقل البحري. وفقاً لبيانات وزارة الخزانة الأميركية، فإن العقوبات الجديدة طالت أكثر من ٧٠٠ هدف تضمّن أفراداً وكيانات وطائرات وسفناً، من بينها ٣٠٠ هدف جديد، بالإضافة الى٥٠ مصرفاً إيرانياً وكيانات أخرى تابعة لها.

واستباقاً لهذه العقوبات، كان كثير من الشركات الأوروبية قد انسحبت من إيران لتفادي أي تبعات سلبية عليها. وبسبب حجم العلاقات التجارية الاوروبية ــــ الأميركية، لا تريد الشركات الأوروبية التضحية بمصالحها الكبرى مع واشنطن أو أن تعرّض نفسها للعقوبات، لذلك فهي تتابع الانسحاب من الداخل الإيراني، الامر الذي يخلق فجوة يقول عدد من الخبراء إن الجانب التركي هو الأقدر على ملئها إن قام باستغلالها بالشكل الصحيح.

فرصة ثمينة

وبينما تعوّل إيران على دول مثل الصين، تبيّن انّ الأخيرة ليست متحمّسة كثيراً لهذا الأمر، فقد تحدّثت تقارير عن أنّ بنك كونلون، القناة الرسمية الرئيسة لتدفّقات الأموال بين الصين وإيران، أبلغ العملاء شفهيا بأنه سيتوقف عن قبول المدفوعات الإيرانية المقوّمة باليوان إلى الصين، اعتبارا من الأول من نوفمبر، بعد أن كان قد أوقف بهدوء في أغسطس المدفوعات المقومة باليورو من إيران.

يقلل هذا الوضع من فرص منافسة الشركات التركية الطامحة الى لعب دور قوي في السوق الايرانية، وبما انّ تركيا هي الدولة الصناعية الوحيدة المهيئة في جوار إيران المباشر لتلبية كل احتياجات السوق الإيرانية، فمن الممكن جدّاً أن تتحوّل العقوبات الى فرصة ثمينة بالنسبة الى الجانب التركي، لا سيما أنّها لا تطول بشكل مباشر التجارة البينيّة، وانعكاسات العقوبات على تجارة السلع المشروعة ستكون غير مباشرة على الأرجح.

اذا تحقق مثل هذا الأمر، فهو سيتيح للجانب التركي تعديل الميزان التجاري المختل مع إيران لمصلحته وتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية، لكن هناك من يجادل في أنّه من غير الممكن لتركيا أن تلعب هذا الدور وأن تسد الفراغ الناجم عن انسحاب الشركات الغربية، ما لم تقم الحكومة الايرانية بتقديم التسهيلات والحوافز اللازمة للشركات التركية.

في تجارب سابقة، حاولت تركيا استغلال العقوبات لتقوية موقعها داخل السوق الإيرانية، لكنّ هذا الدور كان يتعارض دوماً مع نفوذ الحرس الثوري في الاقتصاد الإيراني حيث غالباً ما ان تنتهي حظوظ الشركات التركية الكبرى عند «فيتو» الحرس الثوري الذي يسيطر على أكثر من ثلث الاقتصاد الإيراني.

لطالما شدّدت الإدارة الاميركية على أنّها لن تقدّم أي إعفاءات لأي من الدول بشأن العقوبات على إيران، إلاّ أنّها قررت الأسبوع الماضي منح تركيا وسبعة دول أخرى إعفاءات متفاوتة، شريطة أن تلتزم هذه الدول تخفيض وارداتها من النفط الايراني. وعلى الرغم من انّ المسؤولين الاتراك يعارضون فرض العقوبات ويؤكّدون أنّهم سيقاومونها ولن يلتزموها، فإنّ أرقام شهرَي مايو ويونيو الماضيين أظهرت أنّ مصفاة «توبراش»، أكبر مصفاة في تركيا على الإطلاق، كانت قد خفّضت وارداتها من النفط الإيراني، من حوالي 187 ألف برميل من النفط يومياً إلى حوالي 130 ألف برميل من النفط يومياً، وهو ما يعني انّ أنقرة كانت تأخذ التهديدات الأميركية على محمل الجد وتهيّئ نفسها ربما للتأقلم مع الوضع الناشئ عن هذه العقوبات.

وتشكّل العقوبات على قطاع الطاقة والمال الايراني التحدّي الأبرز لأنقرة، استناداً الى تصريحات وزير الطاقة التركي فاتح دونماز، فقد حصلت تركيا على إعفاء بنحو %25 من العقوبات النفطية، أي ما يعادل حوالي ٣ ملايين طن من النفط سنوياً، لكنّ المشكلة في هذا الاعفاء أنّه محدود لناحية الحجم والوقت، ما يعني أنّه لن يحلّ مشكلة الاعتماد الكبير لتركيا على النفط الإيراني، وإنما سيكون بمنزلة مسكّنات فقط للأشهر الستة المقبلة.

خفض الواردات النفطية من طهران يعني أنه سيكون على تركيا أن تزيد وارداتها من البلدان الأخرى، لا سيما من العراق ودول الخليج في الأغلب، وهو الأمر الذي ستترتب عليه كلفة إضافية نتيجة ارتفاع تكاليف النقل واختلاف خصائص النفط الذي تصدّره هذه البلدان. أمّا في ما يتعلق بالتعاملات المالية، فعلى الرغم من انّ الطرفين كانا قد وقّعا اتفاقاً يقضي بزيادة حجم التعامل بالعملات المحليّة العام الماضي، فإنّه لا يمكن لهذا الاتفاق أن يغطي الا جزءًا صغيراً من التبادل التجاري البيني.

التعاملات بالذهب 

خلال فترة العقوبات ما قبل الاتفاق النووي الايراني لعام ٢٠١٥، حاول البلدان تجاوز عقبة المدفوعات المتعلّقة بفواتير الطاقة على وجه التحديد من خلال آلية النفط مقابل الذهب والتي قضت بأنّ تدفع أنقرة بموجبها ثمن وارداتها من إيران بالليرة التركية المودَعة في حسابات في مصرف بنك «خلق»، على أن تشتري إيران بواسطة هذا المال، الذهب في تركيا وتشحنه إلى أراضيها أو تُبادله بعملات أجنبية في بلدان ثالثة، لا سيما عن طريق الإمارات العربية المتحدة.

أدّت هذه الآلية في نهاية المطاف الى احتجاز ومحاكمة الولايات المتّحدة لمدير عام خلق بنك التركي محمد أتيلا، والى اتهام البنك التركي بالتلاعب وخرق العقوبات. وعلى الرغم من انّ هناك معلومات تشير الى إمكانية إعفاء واشنطن لبنك خلق من عقوبات محتملة عليه، وربما الافراج عن محمد أتيلا مقابل الخطوة التركية التي تمت سابقا، وتمثلت بالافراج عن القس الأميركي الشهر الماضي، فانّ واشنطن أدرجت التعاملات بالذهب ضمن الحزمة الجديدة من العقوبات على طهران، وهو ما يعني أنّه لن يكون من الممكن استخدام الذهب للالتفاف على العقوبات هذه المرّة. وبهذا المعنى، فإنّ العقوبات الأميركية على إيران تحمل فرصاً بقدر ما تحمل تحدّيات ومخاطر أيضاً للجانب التركي وهي معاملة سيكون من الصعب تحقيق توازن فيها، لا سيما اذا ما تدهورت العلاقات الأميركية ــــ التركية لاحقاً أو تغيّر مسار الانفتاح الايجابي بين الرئيسين دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس