د. علي حسين باكير - العرب القطرية

حتى الأمس القريب، استطاعت الولايات المتحدة تجاهل المطالب التركية المنادية بفكّ التحالف الذي يجمع واشنطن بالميليشيات الكردية الانفصالية شمال سوريا، لم يرتّب ذلك أية تكاليف حقيقية على الجانب الأميركي، لذلك لم تكن واشنطن مضطرة لأخذ تصريحات ومواقف المسؤولين الأتراك بعين الاعتبار.

أدى هذا التحالف إلى توسيع سيطرة الميليشيات الكردية على الشمال السوري، لدرجة دفعتها إلى المجاهرة بمشروعها الحقيقي، الذي يهدف إلى اقتطاع الشمال السوري وصولاً إلى البحر التوسط، ولمّا كان هذا التحالف يعمل ضد المصالح التركية، فقد دفع أنقرة إلى إنشاء علاقة تعاون تستند إلى مصالح تكتيكية مع روسيا، وكذلك الأمر مع إيران، وسرعان ما توسعت علاقات التعاون مع موسكو على وجه الخصوص، لتشمل نطاقات أخرى سياسية واقتصادية وعسكرية كذلك.

بهذا المعنى، فقد كان الموقف الأميركي سبباً في تغيّر العلاقات القائمة بين الفاعلين في الجبهة السورية، ومع إطلاق القوات المسلحة التركية عمليات عسكرية كبرى في الشمال السوري ضد الميليشيات التي تعتبرها أنقرة إرهابية، سواء تمثلت في تنظيم «داعش» أم ميليشيات «بي. واي. دي» الكردية، بدأت هذه الإجراءات التركية ترتّب تكاليف حقيقية على اللاعب الأميركي، تكاليف سياسية وعسكرية وأمنية كذلك.

لقد أثبتت العمليات العسكرية التركية أن الميليشيات الكردية لا تمتلك من القوة ما تدّعي أنها تمتلكه، وأنها ميليشيات غير فاعلة في محاربة «داعش»، فهي لا تحارب الأخيرة إلا بقدر ما يفيدها ذلك في تحقيق مشروعها الانفصالي، كما أنها لا تحظى بالشرعية اللازمة لبسط سيطرتها على المناطق التي احتلتها، والتي تقطنها في الغالب المكونات الأخرى الأساسية في سوريا، لا سيما العرب.

مع تأمين الاتفاق الثنائي مع موسكو بخصوص إدلب في شهر سبتمبر الماضي، يعتقد الأتراك أن هناك فرصة متاحة الآن للضغط بأقصى قدر ممكن على السلطات الأميركية لفكّ التحالف مع الميليشيات الكردية، وإلا فإن القوات التركية ستكون مستعدة للتدخل في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات الكردية، لإعادتها إلى أصحابها الأصليين، ودفع تهديد الفرع السوري لـ «حزب العمال الكردستاني» بعيداً عن الحدود التركية.

للتخفيف من عبء هذه التكاليف ولاحتواء الموقف التركي، قامت الإدارة الأميركية مؤخراً باتخاذ بعض الإجراءات، كالتأكيد على اتفاق منبج، وإعلان مكافأة مقابل معلومات تؤدي إلى الإمساك ببعض قادة «حزب العمال الكردستاني»، من وجهة نظر تركيا، فإن الهدف من هذه الخطوات المتأخرة مكشوف، وهي لن تثني أنقرة عن الدفع باتجاه استئصال ميليشيات «بي. واي. دي» الكردية، إذا بقي المشهد الحالي قائماً فإن واشنطن ستفقد قريباً هامش المناورة الذي حافظت عليه، بين تركيا من جهة، والميليشيات الكردية من جهة أخرى.

ولهذا السبب، تبدو الإدارة الأميركية في موقف حرج فيما يتعلق بمصير تحالفها مع الميليشيات الكردية، لكن المفارقة أن موسكو قد تساعد في تحرير واشنطن من مأزقها الحالي، هناك العديد من المؤشرات توحي بأن الاتفاق التركي الروسي الأخير لن يصمد طويلاً على الأرجح، لا سيما إذا ما استمر حلفاء موسكو في تقويضه، هذا يعني أنه في حال انهيار الاتفاق بين أنقرة وموسكو بخصوص إدلب، فإن قبضة تركيا الضاغطة على واشنطن ستضعف، وفي هذه الحالة قد تستطيع الإدارة الأميركية الحفاظ على تحالفها الركيك مع القوات الكردية، لكنها ستدفع أنقرة في المقابل إلى أحضان روسيا مجدداً.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس