محمود عثمان - الأناضول

قبيل توقيع أردوغان وبوتين اتفاق سوتشي، كانت طهران ودمشق على أهبة الاستعداد لحسم معركة إدلب عسكريا، وكانت التحضيرات على أشدها لشرب نخب النصر المؤزر على آخر معقل للمعارضة. لكن الفيتو الأمريكي التركي المشترك ضد عملية عسكرية شاملة في إدلب، مهد السبيل أمام اتفاق سوتشي الذي رسم حدودا آمنة للمعارضة الوطنية السورية، واعترف بها داخل هذه الحدود، بشرط تنقيتها من العناصر الإرهابية بمساعدة تركيا.

التزمت تركيا ومعها المعارضة السورية بالبنود التي تعهدتها خلال الوقت المتفق. لكن نظام الأسد ومن ورائه طهران، ظن أن الفرصة قد سنحت له للقضاء على المعارضة الوطنية السورية، التي تمت تصفيتها بقرار دولي حتى حصارها في إدلب، فتجاهل الوعود التي قدمها في أستانا وجنيف وغيرها، بعد أن تعامل مع المسألة بشهية مفتوحة، ليبرهن نظام دمشق مرة أخرى إلى أي مدى يمكن الوثوق به.

لا شك في أن أهم إنجاز تحقق في قمة سوتشي بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، كان رسم خارطة النفوذ بالخطوط العريضة وبشكلها النهائي تقريبا. والاعتراف من طرف روسيا، وحتى أمريكا والأوروبيين من خلال الترحيب بالاتفاق، بإدلب ومناطق درع الفرات وغصن الزيتون، حيث توجد المعارضة الوطنية السورية، مناطق نفوذ تركية، لا يجوز مساسها أو الاعتداء عليها.

** خروقات النظام والمليشيات الإيرانية المتكررة لاتفاق سوتشي

على الرغم من الترحيب الإيراني ظاهرا باتفاق سوتشي، إلا أن طهران سارعت بعد توقيع الاتفاق مباشرة إلى حشد مليشياتها مصحوبة بقوات نظام الأسد حول إدلب، في محاولة لحصارها وتضييق الخناق عليها، بذريعة شماعة الحرب على الإرهاب، ممثلا بهيئة تحرير الشام المصنفة أمميا "منظمة إرهابية".

تحت عنوان "إدلب السورية تحت حصار الإرهابيين الأجانب"، أشارت وكالة الأناضول إلى وجود 22 مجموعة من المليشيات الإيرانية الإرهابية المنتشرة على 232 نقطة في سورية، وتضم هذه المجموعات نحو 120 ألف مقاتل.

الوكالة أوردت بالتفصيل أماكن وأسماء المليشيات الإيرانية التي تحاصر إدلب، وبينت أنها تتوزع على ثلاث مجموعات منتشرة في ريف اللاذقية، وهي "حزب الله العراقي"، ولواء "ذو الفقار" العراقي، و"حركة النجباء". فيما ينتشر في مناطق ريف حماة الشمالي سبع مجموعات، وهي "حركة النجباء"، و"حزب الله اللبناني"، و"لواء الإمام علي"، ولواء "أبو فضل العباس"، و"لواء الباقر السوري"، و"فيلق القدس"، و"جيش المهدي".

كما تتمركز 12 مجموعة في الريف الغربي لحلب، وهي لواء "فاطميون الأفغاني"، ولواء "زينبيون الباكستاني"، و"حركة النجباء العراقية"، و"قوات بدر"، و"لواء الإمام علي"، و"لواء الإمام الحسين"، و"حزب الله اللبناني"، و"لواء الباقر السوري"، و"لواء القدس الإيراني"، و"جيش المهدي"، ولواء "غالبون"، و"عصائب أصحاب الحق".

كما أوردت وكالة رويترز نقلا عن المرصد السوري، أن طائرات حربية قامت بقصف مناطق خاضعة للمعارضة في الريف الغربي لحلب وريف إدلب، وذلك لأول مرة منذ الاتفاق الروسي التركي على إقامة منطقة عازلة في أيلول الماضي.

** تصاعد وتيرة التجاذبات الأمريكية الروسية تجمد العملية السياسية من جديد

التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي الخاص بالقضية السورية جيمس جيفري، التي وصف فيها بشار الأسد بأنه الأخطر على سورية من أي أحد، وأن موسكو ودمشق دمرتا سورية من أجل محاربة المعارضة، كانت الأقسى في الأيام الأخيرة. وهي تعني الرد على موسكو بالمثل، بعزم واشنطن القيام بإغلاق مسار أستانا ردا على موسكو التي عطلت مسار جنيف.

إلغاء اللقاء الذي كان مرتقبا بين الرئيسين دونالد ترامب وبوتين في باريس، على هامش الاحتفالات بالذكرى المئوية لوقف الحرب العالمية الأولى، ليس كما قيل يومها من أن الفرنسيين لم يرحبوا بقمة بين الرئيسين كيلا تخطف الأضواء من الاحتفالية التي حضرها أغلب قادة العالم. إنما جاء الإلغاء بسبب الخوف من فشل القمة، في ظل غياب التفاهم بين الأمريكان والروس حول القضايا الرئيسية، وفي مقدمتها الأزمة السورية، ما جعل لقاء الرئيسين بروتوكوليا عابرا خاليا من أي أجندة سياسية.

قيام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتغيير مبعوثه إلى سورية ستيفان ديميستورا، كان الهدف منه ممارسة قدر من الضغوط على أطراف الأزمة من أجل تحريك العملية السياسية. لكن ارتفاع حدة التجاذبات الأمريكية الروسية اضطرته إلى الرجوع خطوة للوراء، فتم تمديد فترة المبعوث القديم ديميستورا مرة أخرى.

** التصعيد الميداني وارتفاع وتيرة الاغتيالات التي تستهدف قيادات المعارضة

عودة العملية السياسية في سورية للثلاجة مرة أخرى، بسبب غياب التفاهم بين واشنطن وموسكو، سوف تؤدي إلى ارتفاع وتيرة العنف، ومزيد من التجاذب والاحتكاك والاشتباكات بين الأطراف المتحاربة، ما يؤمن لطهران مساحات واسعة من الحركة والمناورة من أجل تخفيف الضغوط التي تمارس عليها من الأمريكان في مناطق مختلفة.

قيام الطائرات الروسية والعراقية بقصف مواقع في دير الزور، وقيام الطيران الإسرائيلي باستهداف معمل السجاد في مدينة موحسن بريف دير الزور الشرقي، الذي تتخذه المليشيات الإيرانية مقرا لها، ما أسفر عن مقتل أكثر من 20 عنصرا، وقصفه مناطق في بلدة المريعية المجاورة لمطار دير الزور العسكري، كل هذه إشارات قوية على أن الأيام القادمة حبلى بالمزيد من التصعيد العسكري في الساحة السورية.

إرهاصات هذا التصعيد تجلت أيضا في ارتفاع وتيرة حوادث الاغتيال في الشمال السوري، التي شملت إلى جانب القادة الميدانيين، إعلاميين ونشطاء عاملين في منظمات المجتمع المدني. وقد جرت العادة في كل مرة على إلقاء التهمة على هيئة تحرير الشام. لكن حوادث الاغتيال الأخيرة تحمل بصمات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للنظام وللإيرانيين.

قبل أيام قليلة، استهدفت قوات الأسد والمليشيات الإيرانية التابعة لها بلدة جرجناز في ريف محافظة إدلب الشرقي، بعدة صواريخ ثقيلة طالت مدرسة تعليمية، راح ضحيتها 3 شهداء بينهم 7 أطفال وسيدتان.

الخروقات المستمرة من طرف قوات النظام تسببت في مجازر بحق المدنيين، كما أدت إلى نزوح عشرات العائلات من المدن للمناطق الزراعية. ثمة سيناريوهات بوليسية أسدية إيرانية روسية مشتركة، يقوم النظام بتطبيقها في حلب متبادلا الأدوار مع بعض التنظيمات الإرهابية، بهدف إلقاء التهمة على المعارضة السورية باستخدام أسلحة كيماوية محرمة دوليا.

قيام الإيرانيين ونظام الأسد بمثل هذه السيناريوهات قد يكون مفهوما، بل معتادا ومكررا، لكن توظيفها من طرف الروس أمر في غاية الخطورة. إذ يشكل إشارة واضحة على نية مبيتة لديهم إما للالتفاف على اتفاق سوتشي، أو التنصل منه كليا.

** هل تخاطر موسكو بنقض اتفاق سوتشي؟

من لدن توقيع اتفاق سوتشي، ما فتئ الإيرانيون ومعهم نظام الأسد يحاولون خرق سفينته، سواء من خلال الخروقات المتكررة لبنوده، أو / و، من خلال سعيهم المستمر لجهة إقناع موسكو بنقضه والتملص منه.

وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم، لم يتردد بالتصريح بأن اتفاق سوتشي لا يلزم نظامه، وأن نظام الأسد عازم على اقتحام إدلب، وهذا يشكل خرقا واضحا لروح وبنود الاتفاق.

إلزام نظام الأسد بمخرجات اتفاق سوتشي، وإيقاف الخروقات الإيرانية من خلال مليشياتها المتموضعة حول إدلب، فضلا عن كونه مسؤولية الروس بشكل كامل، فهو امتحان جدية لموسكو، واختبار لمصداقية الرئيس بوتين تحديدا. إذ يجب عليهم القيام بدورهم كضامن لهذا الاتفاق الذي تبناه مجلس الأمن والأمم المتحدة.

من الواضح أن موسكو تستخدم اتفاق سوتشي ورقة ضغط على أنقرة كلما اقتربت الأخيرة من ترميم علاقاتها مع واشنطن. رأينا ذلك جليا بعد إطلاق تركيا سراح القس برانسون، ما أدى إلى عودة قدر من الدفء إلى العلاقات التركية الأمريكية، وكذلك عقب الثناء والمديح الذي وجهه مؤخرا الرئيس ترامب للرئيس أردوغان. فكلما حدث تقارب تركي أمريكي، ذهبت موسكو لجهة تسخين جبهة إدلب وحلب والشمال السوري عموما في محاولة للضغط على أنقرة.

رغم الضغوط الإيرانية الكبيرة على الروس، إلا أن موسكو لن تخاطر بنقض اتفاق سوتشي، ليس من أجل حماية مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها الاستراتيجية مع تركيا وحسب، إنما لوجود الفيتو الأمريكي أيضا.

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب في ترك برس وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس