د. علي حسين باكير - العرب القطرية

يتصاعد التوتر في منطقة شرق المتوسط في السنوات الأخيرة بشكل متزايد، وذلك على خلفية التنافس الجاري على ثروات المنطقة من النفط والغاز، وعلى الدور الجيوبوليتيكي المتصوّر لدى اللاعبين الأساسيين، وذلك بموازاة التحولات الحاصلة في موازين القوى الإقليمية. وتشكّل قبرص -على ما يبدو- نقطة صدام الأجندات المتناقضة لهذه القوى المتصارعة.

يُعدّ التنافس الأميركي-الروسي أحد مستويات الصراع المحتمل في المنطقة، حيث تعمد موسكو مؤخراً إلى زيادة نفوذها في المنطقة الممتدة من شمال شرق البحر الأسود إلى جنوب شرق البحر المتوسط، في مقابل تحييد أو منع اللاعبين الآخرين من إجراءات احتواء هذا النفوذ أو موازنته. في المقابل، هناك مستويات أخرى للصراع، من بينها التنافس التركي-اليوناني على الحدود والنفوذ والموارد في شرق المتوسط.
قبل عدة أيام فقطـ، أعلن وزير الطاقة التركي فاتح دونميز، أن تركيا سترسل سفينة التنقيب الوطنية الثانية للعمل في البحر الأسود والبحر المتوسط، علماً أنها ستصل إلى الأخير في نهاية شهر يناير المقبل من العام 2019. يأتي الإعلان التركي وسط تجاذب حاد مع الجانب القبرصي -ومن خلفه اليوناني- حول حقوق التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية المحيطة بالجزيرة.

تشير الإجراءات التركية إلى أن السلطات في أنقرة عازمة على تحدي جهود قبرص في إيجاد حالة أمر واقع في ما يتعلق باستغلال ثروات الجزيرة على حساب تركيا والقسم القبرصي الشمالي. عندما كانت تركيا على خلاف مع روسيا في سوريا، حاولت قبرص واليونان استغلال ذلك لجذب موسكو إلى ساحتهما في الصراع ضد تركيا. وبالرغم من أن هذا الموقف كان ينطوي أيضاً على محاولة تأمين دعم مالي من موسكو لليونان في الوقت الذي لم يكن فيه الاتحاد الأوروبي مستعداً لفعل هذا الأمر، فإن الصراع في شرق المتوسط كان جزءاً من الحسابات على ما يبدو. اليوم لم تعد أنقرة وموسكو في صراع مباشر، على الأقل في الوقت الحالي. ولذلك، تبحث قبرص عن خيارات أخرى على ما يبدو، من بينها تعزيز التواجد الأميركي على الجزيرة، ومنح رخص تنقيب للنفط والغاز لعدد كبير من الشركات التابعة لقوى غربية. وفي هذا السياق، حذّرت روسيا الأسبوع الماضي السلطات القبرصية من مخاطر السماح للولايات المتحدة بتعزيز قواتها العسكرية في الجزيرة، مشيرة إلى أن من شأن ذلك أن يؤدي إلى ردود أفعال ينجم عنها تداعيات خطيرة ومزعزعة للاستقرار.

يعطي الموقف الروسي الانطباع بأن موسكو ترى في احتمال استضافة قبرص مزيداً من القوات الأميركية محاولة لموازنة نفوذها المتعاظم في المنطقة، لا سيما بعد تدخّلها العسكري في سوريا منذ العام 2015. في أواخر الشهر الماضي، قامت روسيا باحتجاز ثلاث سفن حربية أوكرانية مع طاقمها أثناء توجهها من ميناء أوديسا إلى ميناء ماريوبول في بحر آزوف، وذلك بحجة انتهاك المياه الإقليمية الروسية. شرعت موسكو على الفور في استغلال الحادث أيضاً من أجل تبرير نشرها منظومة دفاع «أس-400» في شبه جزيرة القرم الأوكرانية التي كانت قد احتلتها وضمتها إلى الأراضي الروسية في العام 2014. ويعمل نشر المنظومة الروسية في شبه جزيرة القرم على تحييد أي قوة تسعى إلى موازنة أو تحدي روسيا في تلك المنطقة، بما في ذلك تركيا.

ويعكس توازن القوى الهش والتحالفات ذات الطابع التكتيكي أو المؤقت، التعقيدات التي تشهدها منطقة شرق المتوسط، وهو ما يهدد بإمكانية تحوّل هذه الصراعات في أي وقت من الأوقات إلى حروب؛ نتيجة حسابات خاطئة أو مراهنات غير عقلانية.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس