د. علي حسين باكير - القبس الإلكتروني

في أول زيارة من نوعها لرئيس تركي، قام رجب طيب أردوغان بزيارة فنزويلا الأسبوع الماضي، وذلك في إطار جولة له في أميركا الجنوبية، إثر مشاركته في قمّة العشرين التي عقدت في الأرجنتين. وتعكس هذه الزيارة حجم التطور السريع في العلاقات الثنائية بين الجانبين، لا سيما في العامين الماضيين؛ إذ تنظر أنقرة الى كاراكاس على أنّها بوابة الى علاقات أفضل مع دول أميركا اللاتينية، في وقت تراهن الأخيرة على دول، مثل تركيا؛ لتجاوز العقوبات المفروضة عليها.

خلال العام الماضي، زار الرئيس الفنزويلي تركيا ثلاث مرات، وجرى توقيع كثير من الاتفاقيات المشتركة بين الجانبين في مجالات مختلفة سياسية واقتصادية وعسكرية. يأتي الاهتمام التركي بفنزويلا في سياق بحث أنقرة عن آفاق جديدة في ذلك الجزء من العالم. ويشير أردوغان الى انّ فنزويلا تحتل مكانة مميزة في استراتيجية الانفتاح التركية على أميركا اللاتينية، لا سيما مع استعداد كاراكاس لاستقبال المستثمرين الاتراك في قطاعات حيوية؛ كالنفط والغاز والانشاءات والتعدين.

واستناداً الى تصريحات للرئيس الفنزويلي، فإن المستثمرين الأتراك سيستثمرون قرابة ٤.٥ مليارات يورو في فنزويلا. وان كانت هناك علامات استفهام حول هذا الرقم، إلاّ أنّ أبرز ما يثير الاهتمام في هذه العلاقة الصاعدة بين البلدين هو الارتفاع الهائل في حجم التجارة الثنائية التي تجاوزت ـــ وفق الرئيس التركي ـــ مليار دولار لعام ٢٠١٨، وهو ما يساوي أكثر من ٦ أضعاف حجم التجارة بين البلدين العام الماضي. وفقاً لمعهد الإحصاء التركي، فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال خمسة أعوام من ٢٠١٣ وحتى عام ٢٠١٧ بلغ حوالي ٨٣٤ مليون دولار، في مقابل حوالي ٨٩٢ مليون دولار في الأشهر الخمسة الأولى من عام ٢٠١٨.

ويطرح هذا التحوّل السريع في حجم ونمط التجارة بين البلدين تساؤلات حول طبيعة هذه العلاقات، لا سيما مع دخول عنصر الذهب في هذه المعادلة. خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، صدّرت فنزويلا ما قيمته حوالي ٩٠٠ مليون دولار من الذهب الى تركيا مقابل صفر العام الماضي. يتماشى هذا النمط مع تحوّل تركيا الى استيراد الذهب مجدّداً، بعد ان كانت تصدّره في عامي ٢٠١٥ و٢٠١٦. يرى البعض انّ السبب يكمن في جنوح أنقرة للاعتماد المتزايد على الذهب كـ«ملجأ آمن» مع تدهور الوضع الاقتصادي مؤخراً، لكن السلطات الفنزويلية تقدّم رواية أخرى حول الموضوع.

اتفاق ثنائي

وفقاً لوزير التعدين الفنزويلي، فإن الذهب الذي تصدره كاراكاس الى أنقرة يأتي في سياق اتفاق ثنائي بين البنكين المركزيين، ويأخذ بعين الاعتبار المخاوف من العقوبات المفروضة على البلاد. اعتادت فنزويلا ارسال الذهب الى سويسرا من أجل تنقيته ومن ثمّ اعادته لتحويله الى الاحتياطات الموجودة في البنك المركزي، لكنّها تفضل ان تقوم تركيا بهذا الدور الآن بدلاً من سويسرا خوفاً من مصادرة كمّيات الذهب المصدّرة. وعلى الرغم من انّ هذه الرواية مقنعة، فإنّ هناك بعض العناصر التي لا تزال غامضة فيها، فاذا كان الذهب يصدّر الى تركيا من أجل هذا الغرض لماذا يدخل في التبادل التجاري؟ والأهم من ذلك، لماذا لا توجد أي معطيات تشير الى اعادته الى فنزويلا.

يفسّر البعض هذا الارتفاع الكبير في حجم صادرات فنزويلا من الذهب الى تركيا على أنّه يأتي في سياق مساعدة الأولى على تجنّب العقوبات التي فرضتها عليها الولايات المتّحدة، وذلك ضمن آلية «الذهب مقابل السلع»، على اعتبار انّ العملة المحلية (البوليفار الفنزويلي) لا تفي بالغرض نتيجة فقدانها قيمتها وارتفاع التضخم السنوي في البلاد الى أكثر من مليون في المئة. قد يكون الامر كذلك، لكن في حقيقة الأمر، لا دليل على انّ السلع التركية المصدّرة الى فنزويلا تساوي قيمة الذهب، بل على العكس، تبدو قيمة الصادرات التركية الى فنزويلا ضئيلة، مقارنة بحجم الواردات من الذهب. هناك من يذهب أبعد من ذلك للتشكيك في أن تكون تركيا الهدف النهائي لصادرات فنزويلا من الذهب.

اغتنام الفرصة

يرى مسؤولون أميركيون أنّ هناك احتمالاً بأن تكون بعض كميات الذهب هذه تذهب الى إيران من أجل مساعدتها للالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة عليها مؤخراً. مؤيدو هذه النظرية يعتبرون انّ هناك ما يكفي من الحوافز لدى تركيا لتسهيل مثل هذا الأمر، فأنقرة تجاهر برفض العقوبات الأميركية على فنزويلا وإيران، وتنظر في نفس الوقت الى الفرص الاقتصادية التي قد توفّرها لها هذه العقوبات، وأخيراً تحاول أن تثبت انّ مثل هذه العقوبات لن تنفع اذا جرى استخدامها مستقبلاً ضد تركيا كما حصل قبل أشهر عدّة.

سبق للمسؤولين الاميركيين أن وضعوا التجارة بالذهب مع ايران ضمن القائمة التي تستهدفها العقوبات، بعد ان اعتمدت طهران وأنقرة عليه سابقا، من أجل إتمام المعاملات المتعلّقة بمدفوعات الغاز، وقد حذّروا تركيا من تكرار مثل هذا الامر، لا سيما بعد احتجاز المدير العام السابق لبنق خلق محمد أتيلا في أميركا، بتهمة مساعدة ايران على تجاوز العقوبات. لكن حتى الآن لا يوجد ما يثبت انّ النظرية المطروحة بشأن وجود تعاون ثلاثي في ما يتعلق بالذهب بين فنزويلا وتركيا وإيران، كما أنّه من المستبعد أن تقوم أنقرة بهذا العمل في الوقت الذي تراقب فيه واشنطن التعاملات بالذهب مع إيران عن كثب.

مهما يكن الأمر، فإن العلاقات الصاعدة بين تركيا وفنزويلا بشكل سريع وغير مسبوق تثير الاهتمام، ولا شك في أنّها ستسلِّط الأضواء على الجانبين، خلال المرحلة المقبلة.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس