د. علي حسين باكير - العرب القطرية

في أبريل من العام 2018، نشرت صحيفة «العرب» القطرية مقالاً تحت عنوان «ما مصير الحكومة التركية والانتخابات البلدية؟» أشرنا فيه إلى أن بن علي يلدريم -الذي كان لا يزال يشغل منصب رئيس وزراء تركيا في حينه- قد يشهد تحولاً في دوره، ويُصار إلى اختياره لاحقاً للترشح لمنصب رئيس بلدية اسطنبول الكبرى.

بعد مرور تسعة أشهر على الانفراد بهذه المعلومة، أعلن رئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان يوم السبت الماضي، ترشيح آخر رئيس وزراء لتركيا ضمن النظام السياسي القديم، والرئيس الحالي لمجلس الأمة الكبير «البرلمان» بن علي يلدريم لرئاسة بلدية اسطنبول الكبرى، في الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في مارس المقبل.

وفي هذا السياق، يتساءل كثيرون: لماذا تم اختيار يلدريم بالتحديد؟ ألا يُعد ترشيحه لهذا المنصب انتقاصاً من مقامه وموقعه السياسي، أو عودة إلى الوراء إن صح التعبير؟

يسيطر حزب العدالة والتنمية على أجزاء واسعة من مدينة اسطنبول منذ حوالي 24 عاماً، لكنه بات يخشى في السنوات الأخيرة مفاجآت غير متوقعة، ولذلك فهو يحرص على أن يحسم المعركة لصالحه، لا سيما لما لاسطنبول من أهمية في أية انتخابات من أي نوع كان، وبما أنه من المتوقع أن تشهد الانتخابات البلدية في اسطنبول تنافساً شديداً، فقد ارتأى الحزب ورئيسه أن يرمي بأقوى أوراقه في هذه المعركة.
من الناحية السياسية، عادة ما يحظى منصب رئيس بلدية اسطنبول الكبرى بأهمية كبرى، فهي المدينة رقم واحد في تركيا وأكثرها تعداداً للسكان، وبقدر ما يشكل هذا المنصب تحدياً، بقدر ما يفتح فرصاً وأبواباً سياسية أمام صاحبه الذي يُنتخب بشكل مباشر من قبل المواطنين في مدينة تضم حوالي 10.5 مليون ناخب، وبهذا المعنى، يحظى صاحب المنصب بشرعية ودعم أكثر من المناصب الرسمية الأخرى في البلاد كالوزير على سبيل المثال، صاحب هذا المنصب مؤهل بطبيعة الحال لأن يكون له طموح سياسي أكبر، وبما أنه من المعروف أن يلدريم لا يخرج عن خط أردوغان، فهو لن يشكل تهديداً سياسياً في المستقبل.

سبق ليلدريم أن شغل منصب وزير النقل ووزير المواصلات والاتصالات والنقل البحري في حكومات سابقة، ويشيد كثيرون بقدراته في متابعة وتنفيذ مشاريع البنى التحتية، في عهده، طوّرت تركيا شبكة القطار فائق السرعة بين عدد كبير من المدن، لا سيما المرتبطة بأنقرة واسطنبول، إضافة إلى العديد من المشاريع الضخمة التي انطوت على عشرات المليارات من الدولارات، وبهذا المعنى، فإن للرجل خبرة تنفيذية كبيرة، وبما أن أردوغان يحلم بتنفيذ مشاريع ضخمة في اسطنبول كمشروع «قناة اسطنبول»، فإنه سيكون بحاجة إلى رجل قوي في المدينة، وليس هناك أفضل من يلدريم فيما يتعلق بهذا الأمر.

العامل الآخر هو أن يلدريم يؤدي بشكل جيد عادة في الانتخابات، حتى في أصعب المناطق كأزمير على سبيل المثال، وبما أنه من المتوقع للمعركة البلدية أن تكون حامية في اسطنبول، فإن حظوظه ستكون أكبر من حظوظ غيره من الأسماء التي كان من الممكن لحزب العدالة والتنمية أن يرشّحها لهذا المنصب، لكن مكمن الخطورة أن خسارة يلدريم قد تعني على الأرجح خسارة مستقبله السياسي.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية. سبق وعمل في منظمة البحوث الإستراتيجية الدولية (USAK) أنقرة.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس