ياسر عبد العزيز - خاص ترك برس

في مقال (الخدعة الأمريكية والخطوة التركية القادمة) وضعنا استفهاما كبيرا، حول تفهم أمريكا لمآلات القرار الذي اتخذه ترامب بسحب قواته من سوريا، وهل آثرت أمريكا أن يسيطر النظام المدعوم من روسيا، أو بالأحرى روسيا نفسها على تلك المناطق التي ستنسحب منها، وماطلت بتصريحات متضاربة حول توقيت الانسحاب وشكله، وتساءلنا، هل أرادت أمريكا خداع الأتراك؟

الإجابة في حينها أن هناك رغبة أمريكية محتملة في خداع تركيا، في ظل العلاقات القلقة بين الإدارة الأمريكية الحالية وتركيا، والآن بدأت تتكشف حقيقة الغربة الأمريكية لخداع تركيا، لقد بدا بولتون متعجرفا وهو يملي شروطه حتى قبل أن يصل إلى أنقرة، فمن الكيان الصهيوني صرح، بأن على تركيا حماية الأكراد وعدم الدخول إلى شرق الفرات، وأن عليها ان تراجع واشنطن قبل أن تخطو خطوة واحدة في سوريا، هذه التصريحات تزامنت مع لعب حلفاء واشنطن وأتباعها في سوريا، ففي مقالنا السابق والذي حمل عنوان (الكل يلعب خلف خطوط تركيا) بينا استخدام أمريكا لأتباعها وحلفائها للعب خلف خطوط تركيا فالنظام المصري يحاول مع حليفه الإماراتي التواجد في منبج، وفرنسا تخرج إلى العلن داعمة المليشيا الكردية الانفصالية، ومن ناحيتها دفعت قوات سوريا الديمقراطية إلى التفاوض مع نظام الأسد للانخراط في جيش النظام لتخلط الأوراق.

بولتون ذهب إلى أنقرة محمل بمزيد من الغطرسة التي باتت غير مقبولة تركيًا، وهو ما وضح في تصريح الرئيس أردوغان أنه رغم الاتفاق الذي تم بينه وبين الرئيس الأمريكي ترامب، إلا أن أصواتا مختلفة، يقصد في ذلك بولتون، تحاول هدم هذا الاتفاق، قال الرئيس أردوغان في خطاب له تعليقا على تصريحات بولتون، وهو في ذلك يضرب الأصوات التي دفعت لتنفيذ الخدعة، ويضع كلا عند حده ويكشف المراوغات، ومن تلك المراوغات وتزييف الحقيقة محاولات البعض إظهار عملية شرق الفرات على أنها تهديد ضد المدنيين الأكراد وتنفيذ لأطماع تركية في الأراضي السورية، وهو ما نفاه أردوغان مرارا وتكرارا، وعلى هامش تلك الفكرة، أود ان أتساءل لو كان لأردوغان أطماع، فماذا تفعل أمريكا وإيران والإمارات والنظام المصري؟!

أما الإجابة عن مبررات عملية شرق الفرات، فمفهوم أن تركيا تحمي وحدة أراضيها من خطر انتشار عدوى الانفصال، كما تحمي مواطنيها من ترهيب مليشيا بي كي كي، وتحمي أمنها القومي من هجمات إرهابية محتملة انطلاقا من تلك المناطق التي تسيطر عليها مليشيات كردية انفصالية تتعاون مع شقيقتها التركية.    

ويجد أردوغان في ذلك دعما داخليا يعضض موقفه ويقويه، فتصريح زعيم حزب الحركة القومية التركي المعارض دولت باهتشلي، جاء مساندا للموقف الذي قرره الرئيس أردوغان ويدفعه إليه، باهتشلي قال أثناء كلمته أمام كتلة حزبه النيابية في البرلمان: (إنه يتعين على بلاده أن تدخل منطقة شرق الفرات في سوريا من أجل إحقاق الحق ونصرة المظلومين هناك، دون الاكتراث لما تقوله الولايات المتحدة وغيرها).

الموقف المؤيد لمنطلقات الرئيس أردوغان شجع كثيرا في إعلان البدء قريبا في التحرك ضد التنظيمات الإرهابية في الأراضي السورية، حيث أكد الرئيس على أن التحضيرات لإطلاق حملة على شرق الفرات أوشكت على الانتهاء، وأن الأمور دخلت مرحلة الأمتار الأخيرة لبدء العملية.
هذا الموقف الصارم من الإدارة التركية يُظهر أنها كشفت الخدعة، كما يظهر أن مرحلة المواءمات في الأمور التي تمس الأمن القومي لم تعد مطروحة، وأن الميوعة في المواقف المصيرية لم تعد مقبولة، والوعود والمماطلات من الغرب الذي يلعب على كل الحبال باتت مكشوفة.

لقد نضجت السياسة التركية كثيرا، وأظن أن محاولة الانقلاب الفاشلة في الخامس عشر من تموز 2016 كانت بمثابة الصدمة الكهربائية التي أرجعت الحياة للأمة التركية التي طالما عاشت حياة الندية للدول التي تسمي نفسها عظمى، وأنها أفاقت من غيبوبة الثمانين سنة الماضية، وتسترد عافيتها لتقف بأوراق قوية بين الدول العشرين الكبار لا اقتصاديا فقط بل سياسيا وعسكريا.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس