د. علي حسين باكير - عربي 21

في المؤتمر الصحفي الذي أقيم في ختام اجتماع الرئيسين الروسي مع نظيره التركي يوم الأربعاء الماضي، استحضر بوتين أمام أردوغان بروتوكول أضنة لعام 1998 بين أنقرة ودمشق لمكافحة إرهاب حزب العمّال الكردستاني قائلا: "إنّ الاتفاقية لا تزال قائمة وأنّه بإمكان هذه الإتفاقية مساعدة تركيا على حماية حدودها الجنوبية مع سوريا".

يُفهم من خلال ما قيل أنّ بوتين يعرض على أردوغان إمكانية تفعيل هذه الاتفاقية من قبل نظام الأسد، لكنّ مآرب موسكو في إعادة الاعتماد على هذه الاتفاقية يختلف اختلافاً كلياً عما تريده تركيا في حقيقة الأمر. روسيا تريد منع تركيا من إقامة منطقة آمنة، وتمكين الأسد من بسط سيطرته، ودفع الأتراك إلى الاعتراف بالأسد ودفع الأكراد إلى إتفاق مع النظام السوري، ومن الممكن تحقيق هذه الأهداف مجتمعة من خلال اتفاق أضنة وفق الحسابات الروسية.

بالرغم من أنّ موسكو لم تصطدم مع تركيا حتى الآن فيما يتعلق بالعمليات العسكرية التي شنّتها أنقرة في العمق السوري، إلا أنّ المسؤولين الروس شدّدوا عند كل محطّة استثنائية على نقطتين أساسيّتين. الأولى هي ضرورة سيطرة نظام الأسد على كامل الأراضي السورية، والثانية هي ضرورة تواصل الجانب التركي مع النظام السوري. أمّا النقطة الأولى فيقصد الجانب الروسي فيها بشكل غير مباشر أنّ التواجد التركي داخل الأراضي السورية هو تواجد غير شرعي لأنّه لا يأتي بطلب من السلطات السورية، وأنّ على أنقرة أن تسحب قوّاتها من العمق السوري. وفيما يتعلق بالنقطة الثانية فتهدف موسكو من خلالها الى دفع أنقرة للإعتراف بشرعية الأسد على أن يكون المدخل لهذا الأمر من خلال التفاهمات المتعلقة بالشق الأمني.

حذر تركي

حتى الآن، تعامت تركيا مع المطالب الروسية بحذر شديد، فواجهت المطلب الأول دوماً من خلال تشديدها على حماية وحدة الأراضي السورية، لا بل إنّ أنقرة نجحت في توظيف النقاش حول هذا الموضوع من خلال الإشارة إلى أنّ عملياتها تهدف إلى قطع الطريق على الإرهابيين الإنفصاليين الذين يريدون إقتطاع الشمال السوري وتهديد وحدة الأراضي السورية. وفيما يتعلق بالتواصل المباشر مع الأسد، أصرّت أنقرة على تجاهل هذا الطلب مستعينة بالتخاطب مع روسيا بدلا من التخاطب مع النظام السوري. الاجتماع الثلاثي الذي تم في طهران والذي نُقلت اعماله بالخطأ على الهواء مباشرة أكّد أنّ الخلاف على هذه النقاط بالتحديد لا يزال مستمراً.

إعلان الولايات المتّحدة عن سحب قواتها من سوريا مؤخراً، أعاد طرح نقاط الخلاف التركية-الروسية حول نفس المواضيع إلى الطاولة مجدداً. موسكو تريد أن تستغل انسحاب واشنطن لتعزز من سيطرة الأسد على المزيد من الأراضي ولتدفع أنقرة إلى الاعتراف بشرعيته. ومن هذه الزاوية بالتحديد، تبدو إعادة إحياء اتفاق أضنة مناسباً وفق الرؤية الروسية، فاذا ما تمّ تطبيقه فسيؤدي ذلك إلى تأمين الحدود مع تركيا وبالتالي سيتم منع تركيا من إقامة المنطقة الآمنة، وسيسيطر النظام على الأرض، وبذلك تكون موسكو قد حققت هدفها الأول، لكن مثل هذا الأمر يستلزم أيضاً تواصل تركيا مع نظام الأسد وهو الأمر الذي إذا حصل ستكون موسكو قد حققت من خلاله هدفها الثاني.

فيما يتعلق بالتواصل المباشر مع الأسد، أصرّت أنقرة على تجاهل هذا الطلب مستعينة بالتخاطب مع روسيا بدلاَ من التخاطب مع النظام السوري.

لكن هناك إشكاليات كبرى تعترض طريق مثل هذا السيناريو. البروتوكول ينص على مسؤولية النظام السوري في منع الهجمات ضد تركيا انطلاقا من الداخل السوري وعلى عدم السماح بجعل أراضيه ممرا او مستقراً للميليشيات الكردية، فهل سيقوم الأسد بتجريد الميليشيات الكردية من سلاحها أو الإصطدام معها؟ لا أعتقد ذلك لسببن: الأول أنّ النظام ليس لديه قدرة و/أو مصلحة في أن يستنزف نفسه الآن، وثانيا لأنّ موسكو لا تريد ضرب الأكراد بقدر ما تريد التوصل معهم إلى اتفاق. وإذا ما افترضنا أنّ هذه الإشكالية بين نظام الأسد وبين الميليشيات الكردية ستُحل سلمياً فإنّ الأخيرة لن تقبل بأقل من إعطائها صلاحيات واسعة وهو أمر يكون نظام الأسد ـ حتى الآن ـ أنه لا يقبله.

الإشكالية الثانية هي أنّ التزام تركيا بالإتفاق لن يلزمها فقط في المناطق الواقعة شرق الفرات وإنما سيكون عليها الانسحاب من جميع المناطق التي تسيطر عليها، وسيكون من السذاجة بمكان افتراض قبول تركيا بمثل هذا الأمر، على الأقل في هذه المرحلة، فهي لم تدخل هذه المناطق لتسلّمها إلى الأسد، وإنما هناك سلسلة من الأهداف تسعى إلى تحقيقها ليس أقلها تحقيق الأمن والاستقرار الكافي في هذه المناطق من أجل دفع اللاجئين داخل تركيا إلى العودة إليها، وهو ما يدفعنا للحديث عن إشكالية جديدة.

الإشكالية الثالثة تكمن في أنّنا إذا إفترضنا جدلاً قبول أنقرة بتطبيق البروتوكول، فمن سيضمن عودة اللاجئين إلى مناطق يسيطر علها نظام الأسد؟ وهل سيقبلون بذلك؟ الأرجح أنّهم لن يقبلوا بذلك فليس هناك ضمانات على أنّهم لن يتعرضوا لما يهدد أمنهم في ظل وجود نظام الأسد وبالتالي سيكون على تركيا الاستمرار في تحمّل أعباء بقائهم وهو أمر سترفضه أنقرة كذلك.

الإشكالية الرابعة، أنّ كل هذا النقاش حول الطرح الروسي لإتفاق أضنة يتم بمعزل عن أخذ موقف أمريكا بعين الاعتبار. صحيح أنّ الولايات المتّحدة ستنسحب، لكن من قال إنّها ستترك للآخرين أن يقرروا كيف يكون شكل الانسحاب وماذا سيحصل لاحقاً بالمنطقة التي سينسحبون منها؟ هل ستقبل الولايات المتّحدة بكل بساطة أن يمسك الأسد بالمناطق التي ستنسحب منها وتفتح له الباب واسعا للسيطرة على المزيد من الموارد المالية والنفطية؟ وهل ستقبل واشنطن بأنّ يتم الاتفاق حول شرق الفرات بين أنقرة وموسكو في الوقت الذي سيكون بإمكانها أن تستفيد من الانسحاب لجر أنقرة إلى ساحتها بعيداً عن موسكو؟

أخيراً، في ظل المعطيات التي ناقشناها أعلاه، سيكون من الصعب تصوّر أنقرة قبول الطرح الروسي، لكن إذا كان الأمر كذلك فلماذا يتداوله المسؤولون الأتراك الأن بتصريحات مختلفة؟ الجواب باعتقادي أنّ رفضه أيضا سيثير المشاكل بالنسبة لأنقرة مع روسيا، ولذلك لا مانع ـ في هذا التوقيت ـ من لعب اللعبة الروسية ومحاولة توظيف الطرح الروسي حول أضنة لترك الباب مفتوحاً أمام إمكانية التوصل إلى اتفاق أوسع مع موسكو يأخذ بعين الاعتبار مطالب أنقرة الأُخرى في سوريا واستخدامه لاحقاً كورقة إضافية في المفاوضات مع واشنطن حول المنطقة الآمنة. فإذا لم تتفق تركيا مع أمريكا حول المناطقة الآمنة، من الممكن حينها اعتماد الاتفاق مع روسيا، والعكس بالعكس.

عن الكاتب

د. علي حسين باكير

مستشار سياسي - باحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس