د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس

بعد سيطرة العثمانيون على شرقي وجنوب شرقي الأناضول وضعوا حداً للخطر الصفوي من جهة، وهيأوا الظروف المناسبة للتوسع والانتشار نحو العراق والشام ومنطقة الجزيرة العربية، بالإضافة إلى التوسع داخل أوروبا من جهة الشرق والجنوب الشرقي.

وفي تلك الفترة شهدت أوروبا قفزات وتطورات كبيرة، حيث بدأ عهد الكشوف الجغرافية الكبرى، وفتح البرتغاليون طرق التجارة حول أفريقيا، ووصلوا بمرور الوقت لأطراف بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، وهددوا التجار العرب والسواحل الإسلامية من المغرب وحتى خليج البصرة في العراق، كما دخلوا البحر الأحمر وباتوا يشكلون خطراً على الأراضي المقدسة، وهذا ما قصده البرتغاليون من حركتهم التوسعية الصليبية، بينما كانت تعاني دولة المماليك التي تتولى زعامة العالم الإسلامي تعاني من الضعف الداخلي والانهيار العسكري والاقتصادي. وباتوا في وضع حرج أمام التهديد البرتغالي، والجزيرة باتت محاصرة، الأمر الذي دفع السكان المحليين من العرب وحكامهم لطلب مساعدة العثمانيين بشكل مباشر للوقوف ضد الخطر الصليبي الجديد.

فالأسباب السياسية والاقتصادية والدينية كانت الحافز المباشر لانتقال السلطان العثماني سليم الأول وانتزاع مصر من المماليك، ومن ثم التوجه لبسط السيطرة على منطقة الحجاز واليمن وبلوغ السواحل الإسلامية. فكانت الدولة العثمانية الوحيدة القادرة على حماية العالم الإسلامي آنذاك.

خضوع الحجاز  للعثمانيِّين:

كانت الحجاز تابعةً للمماليك، وعندما علم شريف مكَّة بمقتل السُّلطان قانصوه الغوري، ونائبه طومان باي، بادر شريف مكَّة «بركات بن محمَّد» إِلى تقديم السَّمع، والطَّاعة إِلى السُّلطان سليم الأوَّل، وسلمه مفاتيح الكعبة، وبعض الآثار النبوية، فأقرَّ السُّلطان سليم شريف الحجاز بركات باعتباره أميراً على مكَّة والحجاز، ومنحه صلاحياتٍ واسعةً.

وبذلك أصبح السُّلطان سليم خادماً للحرمين الشَّريفين، وأصبحت مكانته أقوى أمام الشُّعوب الإِسلاميَّة، وبخاصَّةٍ: أن الدَّولة أوقفت أوقافاً كثيرةً على الأماكن المقدَّسة، وكانت إِيراداتها تصبُّ في خزانةٍ مستقلَّةٍ بالقصر السُّلطاني، وقد أدَّى ضمُّ الحجاز إِلى العثمانيِّين إِلى بسط السِّيادة العثمانيَّة في البحر الأحمر ممَّا أدى إِلى دفع الخطر البرتغاليِّ عن الحجاز، والبحر الأحمر، واستمرَّ هذا حتَّى نهاية القرن الثامن عشر.

العثمانيون في اليمن:

بعد انهزام المماليك قَدِمَ حاكم اليمن المملوكيُّ الجركسيُّ (إسكندر) على رأس وفدٍ إلى السُّلطان سليم، ليقدِّم فروض الولاء والطَّاعة له، فوافق السُّلطان العثمانيُّ على إبقائه في منصبه، وكانت اليمن تشكِّل بُعداً استراتيجياً، وتعتبر مفتاح البحر الأحمر، وفي سلامتها سلامةٌ للأماكن المقدَّسة في الحجاز، وكانت السَّيطرة العثمانيَّة في بداية الأمر ضعيفةً، بسبب الصِّراعات الدَّاخلية بين القادة والمماليك إلى جانب الإمامة الزَّيديّة بين قبائل الجبال، هذا فضلاً عن الخطر البرتغاليِّ، الّذي كان يهدد السواحل اليمنيَّة، وهذا دفع السُّلطان إلى إرسال قوَّةٍ بحريَّة إلا أنَّها فشلت بسبب النّزاع الّذي دبَّ بين قائدها: «حسين الرومي» متصرِّف جدَّة، و «الريس سلمان» أحد قادة البحر العثمانيّين.

ثم أرسل السُّلطان سليمان حملة «سليمان باشا أرناؤوطي» سنة 945ه/1538م وقد ضمَّت الحملة 74 سفينةً و 20000 شخصٍ، وكان هدف الحملة ضم اليمن وبخاصّة عدن، ثم إغلاق مضيق باب المندب أمام السُّفن البرتغاليَّة، ودخل العثمانيّون عدن عام 946ه/1539م، وتعز عام 952ه/1545م، وسقطت صنعاء في قبضتهم عام 954ه/1547م وتحرَّك «سلمان باشا» بأسطوله ليستولي على بعض الموانئ العربيَّة في حضرموت، ومنها «الشَّحر، والمكلَّا» واجتاح ساحل الحبشة، وسواكن، ومصوع على الجانب الغربيّ من البحر الأحمر 964ه/1557م.

وقد ظلت اليمن في فترة خضوعها للحكم العثماني (1538 – 1635م) تتنازعها قوى العثمانيّين، والأئمة الزَّيدية، فالعثمانيّون لم يستطيعوا أن يضمنوا سيطرةً حقيقيةً على البلاد نتيجةً لحركة المقاومة التي تواجههم.

واستفاد العثمانيُّون من وجودهم في اليمن، فقاموا بحملاتٍ بحريَّةٍ إِلى الخليج بقصد تخليصه من الضَّغط البرتغالي.

حالة الجزيرة العربية والحجاز في العهد العثماني

حظيت الجزيرة العربية وخاصة الحجاز بأهمية سياسية في العهد العثماني كما العهود السالفة، وأهمية اقتصادية كذلك إذ ارتبطت منطقة الحجاز بحركة التجارة الدولية، عبر رحلة الشتاء والصيف وحتى الكشف الجغرافي الكبير.

وبالنسبة إلى الأشراف في العهد العثماني فقد قاموا بتدعيم مكانتهم الديني ومركزهم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. وعلى الرغم من اعبتارهم موظفين عثمانيين يعينون بأمر الباب العالي، فقد كان أمراء مكة المكرمة على عكس الولاة العثمانيي في الحج يتصرفون دون الرجوع إلى الباب العالي أو الحصول على رضاه.

ولكن منذ عصر التنظيمات العثمانية واستعادتهم للجزيرة العربية منت المصريين عام 1840، تبلدلت العلاقات بين العثمانيي والأشراف، إذ أدرك العثمانيون تعاظم أهمية الخحاوز والبحر الأحمر الاستراتيجية.

فقد كانت علاقة الأشراف مع العثمانيين متذبذبة، فلم تكن تسير على وتيرة واحدة منذ عام 1517 وحتى عام 1870، أي ان العلاقة بينهما كانت مبنية على الظروف السيبسية لكل فترة. وكانت سلطة كل من الوالي العثمانيو والشريف تتقلب تبعاً لقوة أحدهما وضعف الآخر.

وعلى الرغم من الصراع فإن الحجاز احتفظ بثقافة مدنية رفيعة، انعكست في مظاهر الحياة الاجتماعية الراقية والأعمال الأدبية والفنية وفن العمار ةوالتنوع الثقافي.

كما لم يرض السلاطين العثمانيون وعلى رأس هؤلاء السلطان سليم الأول بأن تطلق عليهم صفة "حكام الحرمين الشريفين"، بل سعوا لأن يقدموا خدماتهم للأماكن المقدسة وليطلق على كل واحد منهم بعد ذلك اسم" خادم الحرمين الشريفين. ولذلك نجد أمير الحجاز الذي كان تابعا للمماليك يقدم للسلطان سليم مفتاح الكعبة والأمانات المقدسة.

وبعد فترة أعلن آخر الخلفاء العباسيين المتوكل على الله وأمام جمع من علماء المسلمين وكبارهم القادمين من مختلف الدول الإسلامية التنازل عن الخلافة للسلطان سليم الأول ولآل عثمان، فخلع ثوب الخلافة وألبسه للسلطان سليم الأول.  وبذلك باتت الخلافة بيد السلاطين العثمانيين بعد أن كانت للعباسيين. ومع انضمام اليمن والأقطار العربية الأخرى باتت وحدة الأناضول أشد رسوخاً ومجسداً للوحدة الروحية.

وهكذا جمع السلطان العثماني في نفسه صفة خليفة المسلمين وحاكم العالم الروماني وخاقان الترك الأكبر، فبلغ في مفهوم الدولة مرتبة العالمية، ليتربع سلاطيم آل عثمان على هرم زعامة العالم الإسلامي ويتولوا حمايته من الهند شرقاً وحتى ساحل الأطلنطي غرباً لأكثر من أربعة قرون.


المراجع:

- علي الصلابي، الدولة العثمانية، دار ابن كثير، بيروت.

- سحر دعدع، ولاة الحجاز في العصر العثماني في الفترة (923 – 1287 ه/ 1517 – 1870م: دراسة تاريخية حضارية)، رسالة دكتوراه، كلية الشريعة، جامعة أم القرى،  2012، ص. ص 8

- الحجاز في العهد العثماني من خلال الوثائق، ترجمة كمال خوجه أوغلو، يونيو 2006.

- وثيقة لها تاريخ من الأرشيف العثماني، ترك برس، 8 سبتمبر 2017، رابط:

وثيقة لها تاريخ من الأرشيف العثماني: سكان الحرمين يطلبون مساعدة السلطان العثماني بسبب المجاعة

وثيقة لها تاريخ من الأرشيف العثماني: سكان الحرمين يطلبون مساعدة السلطان العثماني بسبب المجاعة

ترك برس

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى ثم انضمام الدولة العثمانية إلى دول المحور، فرضت دول الحلفاء على البلاد العربية حصارا اقتصاديا منع الحجاج من الوصول إلى مكة، ومنعت المواد التي كانت تأتي من أوروبا من دخول الدول العربية، ومنع التصدير إلى خارجها، الأمر الذي أدخلها في أزمة اقتصادية خانقة.

ونتيجة للحصار البحري الذي فرضته بريطانيا العظمى على شبه الجزيرة العربية نفد مخزون الحبوب المحلية وانتشرت مجاعة كارثية في بلاد الحرمين التي كانت تعتمد اعتمادا كليا على الواردات وعلى موسم الحج الذي توقف بسبب الحرب والحصار.

وتكشف إحدى وثائق الأرشيف العثماني رسالة مؤرخة في الثامن والعشرين من شهر شوال 1333 بعث بها وجهاء وأعيان بلاد الحرمين إلى السلطان العثماني، يصفون فيها ما حل بهم من ضيق ومجاعة بسبب الحصار وانقطاع الحجاج من خارج شبه الجزيرة، ويطلبون منه العون والدعم حتى تنقضي الحرب.

وتكشف الوثيقة أيضا أن سكان بلاد الحرمين كانوا ما يزالون على ولائهم للدولة العثمانية، وأنهم لم يكونوا مؤيدين لتنصيب الشريف حسين ملكا عليهم ورافضين لمطالب إنجلترا بالثورة على العثمانيين. وفي ذلك يذكر المستشرق النمساوي، ألويس موزيل، الذي زار القبائل العربية مرتين في مهمة رسمية لإقناعها بعدم التعاون مع البريطانيين،" بما أن المواصلات توقفت جزئيا بسبب ضرب سكة حديد الحجاز والمعونات الغذائية قليلة، كان سكان الساحل يعانون المجاعة ومرغمين على الاستجابة لطلبات الإنجليز والإقرار بحسين ملكا لهم".

وفيما يلي نص الوثيقة:

دلولتو عطوفتلو أفندم حضرتلي

غير خفي على سماء الدولة العلية وأفلاك الخلافة الجليلة، ملاذ العوالم الإسلامية، ومحط الأفضال الرحمانية القائمة بحفظ الحوزة المحمدية، أن سكان الحجاز أهل أودية لا زرع بها ولا ماء،ولا نبات فيها ولا كلأ، أراضيها قفرة الأعماق، عديمة الإنفاق، لا رواج فيها للتجارات والمكاسب،ولا تحمل لها للصنايع والمناصب، سيما بلدة باني الإسلام وهادي الأنام عليه وعلى آله الصلوة والسلام، فإنها ضعيفة الحيل جدا والأعمال، وعديمة طرق الكسب والأحمال. بيد أن مالك القضاء والقدر جعل أفئدة الناس تهوي إليهم من المشارق والمغارب، وحمل الخلايق يجبون لديهم ثمرات كل شئ وأنواع الرغائب . كانت الأغراب تأتي إلى مأوى الإيمان بالأرزاق من كل فج عميق ووفود الحجاج والزوار تجلب إلى مركز الإسلام المعايش من كل مكان سحيق. فأناس كانوا يتربون بما يأتيهم من رغد الرزق والوظايف ، وقبايل كانوا يتعيشون بالتجارات والخدمة لأضياف الله والرسول وهدايا الطوائف، سيما المهاجرون عن الأوطان الخصبة والبلاد الرغبة، محبةً للإسلام والدين، وكراهةً لحماية الكفرة الملحدين. فهؤلاء لم يكن لهم طريق للتعيش إلا ما يرفع إليهم من محاصل أملاكهم في البلاد، أو الهدايا والإعانات من أقاربهم وكرام العباد . فأصبحت اليوم، للحرب العمومية، عامة طرق معايش سكان الحرمين في نهاية الانكساف والانحلال، وجميع وجوه الأرزاق لمجاوري سيد الأنام في غاية العبوسة والاضمحلال. وبلغت الأرواح الحلقوم والقلوب الحناجر، ولات حين مناص. وضاجعوا بئس الضجيع فشاهدوا الموت من كل مكان، وأين حين خلاص. انقطعت السبل وبادت الأموال، وجاعت الأهل والعيال فضاقت الأحوال.

فنسترحم سماحتكم الكريمة إعانة هؤلاء المنقطعين تحت ظلالكم الظليلة، الواصلين نهاية الفلق بما نزل من الأكدار الضليلة، بقرض شرعي يكفي لسد رمقهم إلى أن تنقضي الحرب والفتن، وتطمئن الخواطر بنصرة المسلمين وناصريهم وإزالة المحن، وترجع الأمور إلى محورها الأصلي، وتنقلب المنقلبات إلى مركزها السفلي.

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

عن الكاتب

هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس