محمود عثمان - خاص ترك برس

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة بالغة الحساسية والخطورة، حيث تشهد غالبية الأقطار العربية، ومنها سورية، تغييرات جذرية كبيرة، من شأنها أن تؤسس لحقبة تاريخية جديدة لها خصائها وميزاتها على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

عمليات التغيير، وخصوصا تلك التي تأتي عقب حروب أهلية وصراع مسلح دام عنيف، لا بد وأن تخلف وراءها تركةً اقتصادية سلبية، سواء على صعيد البنية التحتية والبنية الفوقية، أو شلل المؤسسات الاقتصادية ووسائل الإنتاج، الذي يدفع الاقتصاد إلى حافة الإفلاس والانهيار.

لكن هذه النتائج حتمية لا مفر منها، ولا مناص من مواجهتها في المرحلة الانتقالية، مما يفرض على مجتمع الأعمال ورجال الأعمال ومؤسسات الأعمال مسؤوليات ثقيلة وأعباء إضافية.

في هذه المرحلة تحديدا لا بد لعالم الأعمال وخصوصا القطاع الخاص أن يشمر عن ساعدي الجد، فيأخذ زمام المبادرة، ويبدأ فعليا بدراسة وسائل التنمية وسبل النهوض وإعادة البناء من جديد. أما القطاع العام فلا يمكن تناوله والحديث عنه، في الحالات التي لم يتشكل فيها بعد نمط ونموذج النظام السياسي.

في هذه الدراسة المختصرة سوف نتناول تقرير البنك الدولي بخصوص التنمية الاقتصادية المحلية الذي أشرفت على إعداده وحدة التنمية الاقتصادية المحلية في البنك الدولي في تشرين الأول/ أكتوبر 2001م، في محاولة لإسقاط بعض ملامحه على الحالة السورية، علها تساهم في التأسيس لبداية جدية على صعيد تحضير وإعداد مشاريع التنمية وإعادة إعمار سورية من جديد على أسس علمية حديثة.

** ما هي التنمية الاقتصادية:

هي العملية التي يعمل من خلالها القطاعان العام والخاص معا على خلق ظروف أفضل لتحقيق نمو اقتصادي مضطرد ومستوى حياة أفضل للجميع.

** ماذا تعني ممارسة التنمية الاقتصادية المحلية؟

إن ممارسة تنمية اقتصادية محلية تعني العمل مباشرة على بناء القوة الاقتصادية لمنطقة ما، بغية تحسين مستقبلها الاقتصادي ورفع مستوى ونوعية حياة سكان تلك المنطقة.

إذا ما أردنا لمجتمعنا المحلي أن يكون قادراً على المنافسة في هذا العالم السريع التطور، علينا العمل على وضع الأولويات الأساسية لاقتصادنا المحلي. إذ يعتمد نجاح المجتمعات المحلية في التنمية على مدى قدرتها على التكيف مع البيئة المتغيرة بسرعة، مع وجود أسواق منافسة.

** كيف يمكن أن نبني القدرة على المنافسة؟

لكل مجتمع محلي ظروفه الخاصة التي يمكن أن تساعده على تحقيق التنمية الاقتصادية أو تعيقه.

إن هذه الخصائص المحلية هي التي ستشكل البذور التي منها يمكن من خلالها تطوير استراتيجية التنمية المحلية، بغية تحسين فرص النمو الاقتصادي على المستوى المحلي.

من أجل بناء القدرة على المنافسة، يمكن لكل مجتمع محلي أن يقوم بعملية تحليلية تساعده على الوصول إلى فهم طبيعة هذا المجتمع من حيث نقاط القوة، ونقاط الضعف، والفرص والمخاطر.

بعد تحليل واقعنا المحلي السوري يمكننا البدء بمشاريع جاذبة، وإقامة نشاطات وأعمال ناجحة، قادرة على المواجهة والمنافسة.

** من يقوم بعملية التنمية المحلية؟

إن المشروعات الاستثمارية الخاصة الناجحة هي تلك التي تجلب الثراء، وتخلق فرص العمل، وتؤمن مستويات معيشة عالية. إلا أن المشروعات الخاصة تعتمد على وجود ظروف مواتية إيجابية لنشاطات الأعمال التي يمكنها تحقيق الرخاء.

يتركز دور الحكومات المحلية الأساسي على خلق البيئات المواتية لنجاح نشاطات الأعمال وخلق فرص العمل. أي أن التنمية الاقتصادية المحلية هي عبارة عن شراكة بين الحكومات المحلية، ونشاطات قطاع الأعمال ومصالح المجتمع المحلي.

** التنمية الاقتصادية المحلية هي عملية تخطيط استراتيجي ذات خمس مراحل:

- المرحلة الأولى: تنظيم الجهود.

- المرحلة الثانية: إجراء تقييم القدرة على المنافسة.

- المرحلة الثالثة: بلورة استراتيجية التنمية الاقتصادية المحلية.

- المرحلة الرابعة: تنفيذ استراتيجية التنمية الاقتصادية المحلية.

- المرحلة الخامسة: مراجعة استراتيجية التنمية الاقتصادية المحلية.

** المشاكل التي يعاني منها رجال الأعمال السوريون / مشاكل الصناعات الصغيرة:

1. التمويل

يعد نقص التمويل العقبة الأولى التي تعطل حركة الاستثمار والاقتصاد بشكل عام. في الجهة المقابلة هناك ملايين الدولارات ضلت طريقها إلى الاستثمار الجيد بسبب عدم وضوح الرؤية لدى أصحابها، وعدم وجود المنظومة التي تدلها وتوجهها بالشكل الصحيح، والحيرة بين المبشرات النظرية وبين الواقع الفعلي والتطبيقي. لهذا السبب يحجم الناس في الإقدام علي تمويل الصناعات الصغيرة أو العمل فيها أصلا.

مقابل ذلك يرغب كثير من الشباب المتعلم والمدرب في الاستثمار في الصناعة والتجارة. لكن ليس لديهم المال الكافي للاستثمار.

من هنا يمكن لجمعيات رجال الأعمال القيام بدور الوسيط في بناء جسور الثقة التي تؤسس لعلاقات وشراكات يتم من خلالها تبادل المنفعة بين الأجيال المختلفة علاوة على العوائد الاقتصادية المتجددة.

2. نقص الخبرة في دراسات الجدوى

في دراسة أمريكية اكتشف أن نسبة 10% فقط هم من يبدؤون بترجمة أحلامهم في إنشاء مشروع ممّن يفكرون أصلا و20% فقط هم من ينجحون في استكمال مشروعهم من النسبة السابقة في خلال 5 سنوات الأولى لذا جاء ضروريا إيجاد حل لهذه النسب الضخمة من التسرب والفشل في الصناعات الصغيرة في العالم.

وفي دراسة للاتحاد الأوربي تمت في 16 دولة وبعد إنشاء حاضنات لتوجيه الأعمال وتقديم المشورة الفنية والإدارية نجح أكثر من 90% من الشركات في الاستمرار بعد مضي 3 سنوات على إقامتها  لذا إذا تم إنشاء أكثر من 3500 حاصنة أعمال حول العالم منها 1000 فقط في أمريكا و1700 في الاتحاد الأوروبي وكذلك 500 الصين والهند وغيرهما من هنا نجد الفرق الكبير بين ناتج الدراستين.

 لذا يقع التوجيه بشكل أساسي علي عاتق الدولة ومراكز الأبحاث والجامعات في إنشاء حاصنات للصناعات الصغيرة بشرط تنحية البيروقراطية والمركزية المميتة عنه وتمويل التدريب من جانب الدولة ولو بتخصيص جزء من عوائد ضرائب الصناعات الصغيرة ويكون دورها الأساسي في وضع استراتيجيات للأولويات وتوزيع الأنشطة الصناعية على المحافظات حسب تميز كل محافظة والتنسيق بينها وتوفير شبكة معلومات محدثة بشكل دائم عن الصناعة وتدريب وتوجيه الصانع بآليات نجاح صناعته ورعاية تطوير معامل الاختبارات في مصر بحيث تكون قادرة على تقييم المنتجات المصرية وربطها بالمقاييس العالمية في المواصفات.

3. نقص العمالة المدربة

هذه إحدى المعضلات الكبيرة التي تواجه الصناعة المصرية بشكل عام بل كل الأنشطة الاقتصادية إذ بالفعل انخفض مستوي التعليم عموما والفني خصوصا!!!! لأننا ركزنا على الكم لا الكيف في التعليم في خلال الفترة الماضية لذا فلا بد من عمل خطة قصيرة الأمد تتلخص في رعاية رجال الأعمال بطريقة جادة لمراكز تدريب جديدة أو تطوير مراكز قائمة بالفعل في سورية بمدربين أكفاء، ويفضل أن يكون بينهم أجانب متخصصون وبخاصة في الأعمال التي تعتمد علي الكمبيوتر والاتصالات الحديثة وخطة طويلة الأمد تبدأ في تطوير مناهج التعليم الابتدائي لربطها بالصناعة والاقتداء بأي تجربة رائدة من تجارب الدول.

4. التسويق

هو نشاط هام جدا يجب أن تقوم الدولة بدور المحفز للأفراد للاستثمار فيه عن طريق تقديم الإعفاءات الضريبة والحوافر وبخاصة لمن يعمل في مجال التصدير لمدة 5 سنوات مثلا وتخصيص أراضي بأسعار مناسبة لبناء مراكز تسويق متخصصة على مستوى عالٍ أسوة بالصين وغيرها. ويجب أيضا أن نؤهل الصانع وندربه أيضا علي فهم حقيقة أنه يجب أن يكون له شريك في العملية الإنتاجية وهو المسوق على أن يركز هو بشكل أساسي على التصنيع فقط ونضع أولوياتنا في السوق الأفريقية وتنشيط الملحقيات التجارية في هذه الدول وتقييم إنجازاتها في هذا المجال دوريا.

5. دور الدولة

يأتي دور الدولة في إنشاء هيئة أو وزارة للصناعات الصغيرة يكون لها خطة لرفع كفاءة تصدير منتجات الصناعات الصغيرة ولو بنسبة ضئيلة، وذلك عن طريق إنشاء صندوق لتقديم الدعم الفني والإداري، كما يجب تقديم الحماية للصناعات الصغيرة عن طريق تخصيص نسبة من مناقصات القطاعات الحكومية للصناعات الصغيرة، وجمع كل الهيئات والجهات القائمة على خدمة الصناعات الصغيرة في سورية ضمن هيئة واحدة، وإنشاء حاصنة مركزية تتفرع منها أفرع في المحافظات والتوسع في تخصيص أراضي للجمعيات التعاونية لتقسيمها، والسماح ببناء المجمعات الصناعية في المدن الصناعية والقرى، وبخاصة على مقربة من المدارس الصناعية والجامعات في هذه الأماكن، على أن تشمل مقرات كحاضنة  تتضمن مكاتب لدراسة الجدوى ومكاتب للتسويق، ومكاتب للتصميم للمنتجات التابعة، وتشريع قانون يضبط العلاقة بين عناصر منظومة الصناعات الصغيرة ولا يعوقها، وتقديم الإعفاءات الضريبة وبخاصة للمشروعات التي ستقام في القرى لخلق بيئة جاذبة للاستثمار فيها، من أجل تقليل الهجرة إلى المدن. بجانب إصدار تشريعات واضحة لضبط العلاقة بين المؤجر صاحب الوحدة الصناعية والمستاجر والمسوق.

** كيف تسهم جمعيات رجال الأعمال في التنمية الاقتصادية؟

1. تطوير رجال الأعمال على الصعيد الشخصي.

2. تطوير مؤسسات الأعمال.

3. تطوير قطاعات الأعمال.

4. التطوير الثقافي القيمي.

5. المساهمة في التطوير المجتمعي..

التفصيل في النقاط الإجمالية سيتم لاحقا في مقالات منفصلة.

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب في ترك برس وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس