د. باسل الحاج جاسم - ديلي صباح - ترجمة وتحرير ترك برس

أجبرت التطورات الإقليمية والدولية كثيرا من دول المنطقة على إعادة النظر في أهدافها السياسية. وبالنظر إلى خطورة الأحداث، يبدو من الضروري إعادة تقييم ما يحدث وسيحدث في سوريا، حيث إن الخريطة العسكرية على وشك أن تأخذ شكلها قبل النهائي. من المتوقع أن يشهد الوضع في شرق سوريا اتجاهًا جديدًا بعد انتهاء عمليات القتال التقليدية هناك، بيد أن الوضع الأمني ​​في المنطقة سيظل معقدًا إذا واصلت واشنطن دعمها لميليشيا وحدات حماية الشعب (تنظيم "ي ب ك")، الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني (تنظيم "بي كي كي")، وهي جماعة مسلحة تصنفها منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) على أنها منظمة إرهابية تريد السيطرة على المنطقة الجغرافية التي يشكل العرب غالبية سكانها.

يشكل العرب أكثر من 93 في المئة من سكان الرقة، وأكثر من 75 في المئة من سكان الحسكة، وفي دير الزور يمثلون قرابة 100 في المئة، أما باقي سكان تلك المناطق فهم مزيج من الأكراد والتركمان والآشوريين والأرمن وغيرهم. وفي حين يبدو المشهد غرب نهر الفرات أكثر تعقيدًا، ما زال مصير إدلب بانتظار القرار النهائي. فعلى الرغم من التفاهم المتبادل التركي الروسي، ما تزال المنطقة تواجه أزمة إنسانية كبيرة تحتاج إلى حل، ولذلك فإن إدلب والمناطق المجاورة ستكون في طليعة هذا البرنامج. وقد أدى عدم وفاء واشنطن بوعودها إلى دفع أنقرة إلى تغيير موقفها من واشنطن التي وعدت بسحب إرهابيي وحدات حماية الشعب من المناطق المحتلة شرق الفرات ومنبج، حيث يشكل العرب أغلبية. وبدلًا من تنفيذ هذه الوعود أرسلت المزيد من القوات الأمريكية لحماية وحدات حماية الشعب هناك.

ليس سرًا أن المعلومات الخاطئة التي قدمتها الولايات المتحدة لحليفتها الإستراتيجية تركيا هدفت لشراء أكبر قدر ممكن من الوقت حتى يكتمل المشروع الانفصالي الذي تستعد له واشنطن لتقسيم سوريا. هذا المشروع سيتم استنساخه بالتأكيد في البلدان الأخرى في المنطقة، سواء كانت عربية أم لا، لا سيما تلك التي تتمازج فيها الأعراق.

من الواضح اليوم أن تركيا لن تتخلى عن صفقة صواريخ S-400 ولكنها قد تؤجل نشرها. خلال هذه الفترة، يمكن أن تطلب من الولايات المتحدة تسليم صواريخ باتريوت ونشرها، ومن ثم دراسة الموقف كجزء من اختبار لإعادة بناء الثقة.

إن أخفاق الولايات المتحدة في الوفاء بالتزاماتها السابقة جعلها سبب المشكلات والتوتر مع تركيا، بل إنها فعلت عكس التزاماتها، خاصة فيما يتعلق بالمنطقة الواقعة شرق الفرات وفي منبج. لذلك، فإن طلب واشنطن بأن تتخلى أنقرة عن شراء نظام S-400 الروسي الصنع واستبداله بمنظومة باتريوت الأمريكية يثير الكثير من الأسئلة حول الثقة في الولايات المتحدة.

إن فشل واشنطن في تنفيذ اتفاق منبج يترك ملايين العرب شرق الفرات إلى مصير مجهول ويجعلهم أهدافا محتملة لجرائم الحرب، وفقًا لمنظمة العفو الدولية. هناك أدلة دامغة على أن الولايات المتحدة ما تزال تعتبر ميليشيا وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني حلفاء لها، ولذلك من غير الممكن أن تقطع تركيا علاقاتها مع روسيا، فهي تحتاج إلى التعاون معها، خاصة في المنطقة الواقعة غرب الفرات. وستكون اتفاقية أضنة، إذا أعيد تطبيقها، خطوة أخرى لوقف المشروع الأمريكي في سوريا.

يمكن القول إن التحركات العسكرية التركية في سوريا، أي عمليتا درع الفرات وعملية الزيتون، كانت نتيجة التقارب التركي الروسي. تتفهم روسيا مصالح تركيا في المناطق الشمالية من سوريا، التي تشبه مصالح روسيا في شرق أوكرانيا. ومن ثم ليس من الصعب أن ندرك أن كل من يدعم الموقف التركي ضد حزب العمال الكردستاني سيكون له أفضل علاقات مع أنقرة.

من جانبها ترى واشنطن أن وجود أي جماعات مسلحة معارضة لدمشق في سوريا لا يخدم موسكو، الأمر الذي يعني أن العمليات العسكرية التركية في سوريا ترضي موسكو.

الحاجة إلى السلام في المنطقة هي نقطة التقاء رئيسية بين تركيا وروسيا، بالإضافة إلى التعاون في المجال الاقتصادي وقطاعات الطاقة التي أصبحت أساس التعاون السياسي بين البلدين. وفي المقابل فإن استمرار الحرب في سوريا يؤدي إلى مزيد من الخسائر للجنود الروس، وكذلك انتشار الإرهاب والنزعات الانفصالية وعدم الاستقرار في تركيا وفي المنطقة على نطاق أوسع.

إن تعقد الوضع والصعوبات التي تواجه تركيا في سوريا تعني أن جميع الأطراف الفاعلة، بما في ذلك أنقرة، تحتاج إلى التعاون في المنطقة، ومن المستحيل تحقيق ذلك دون التشاور فيما بينها. وينبغي لأصحاب المصلحة الإقليميين تنظيم منهجياتهم وأهدافهم وأولوياتهم، سواء عبر النزاعات أو الاتفاقيات.  

عن الكاتب

د. باسل الحاج جاسم

كاتب وباحث في الشؤون التركية الروسية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس