ياسر عبد العزيز - مدونات الجزيرة

أثناء رحلة العودة من باكستان كرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تهديده باستهداف قوات النظام السوري في إدلب إذا لم تنسحب من مواقعها قبل نهاية الشهر، وأكد أنه لا حل للأزمة من دون هذا الانسحاب، مشيرا إلى أنه عقد محادثات إيجابية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن سوريا، واعتبر أن أنقرة لا يمكن أن تبقى صامتة إزاء تطويق قوات النظام السوري لمواقع المراقبة التركية في إدلب.

لكن العقبة الحقيقية في معضلة إدلب وتصريحات الرئيس التركي هي بوتين نفسه، فروسيا لن تقبل بانسحاب كامل لقوات النظام من إدلب، على خلاف رغبة تركيا التي تخشى تدفق مزيد من اللاجئين باتجاه حدودها، فتركيا التي تستضيف ما يقارب الــ 4 ملايين لاجئ سوري لا يمكن لها أن تستوعب المزيد، لا لضعف الإمكانيات أو صغر مساحة الجمهورية التركية، ولكن لما بات يسببه اللاجئ السوري من ضغط على حكومة العدالة والتنمية، فبحسب أخر استطلاع رأي أجرته جامعة قادر هاس فإن ما يقرب من 70%  من الأتراك الذين شاركوا في الاستطلاع غير راضين عن وجود اللاجئين، ويرون أن وجودهم يعيق جهود الحكومة لمعالجة الركود الاقتصادي.  

لذا فإن على أردوغان أن يفتح جعبة المناورات مع الدب الروسي لترويضه للخروج من فخ إدلب لاسيما أن الخسائر التي تكبدتها القوات التركية في الأسابيع القليلة الماضية تناهز وقد تزيد على تلك التي تكبدتها خلال العمليات الثلاثة السابقة في سوريا، وهو ما يعد ورقة ضاغطة على الإدارة التركية من الداخل وأحزابه التي تشهد استقطابا حادا تدفع بالشارع التركي متعمدة إلى حافة الانفجار، وتستغل في ذلك ورقة اللاجئ السوري الذي توليه العدالة والتنمية اهتماما فوق العادي.  

استطاع الرئيس أردوغان أن يحول المأزق الذي أدخلته فيه عناصر جماعة الخدمة بالتعاون مع جهات خارجية، بإسقاط الطائرة الروسية على الحدود التركية، إلى دافع لمزيد من التعاون الايجابي في ظل الجفاء الأمريكي الأوربي لحليفهم التركي، وتأكدت هذه الرؤية بكون بوتين أول المتصلين بالرئيس التركي بعد محاولة الانقلاب الفاشل في 2016 سابقا بذلك الحلفاء الغربيين، وعلى الرغم من أنه تاريخياً تعد روسيا أبرز الأعداء الجيوسياسيين لتركيا، إلا أن أردوغان استطاع بقبول من بوتين دعم انفراج العلاقات بين البلدين، وهو ما صب نوعيا في صالح الأزمة السورية في شكل اتفاقات نوعية على رأسها اتفاق أستانا.

إن هدف بوتين هو إنهاء الحرب في سوريا بشروط مواتية له وللأسد، والتوصل في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية من خلال لي شروط اتفاق أستانا للخروج بأكبر مكاسب ممكنة، وتركيا لا تقبل أن يكون اتفاق أستانا ومسارها نادياً لأصدقاء الأسد ومن ثم توقع على بياض على حكم إعدام الثورة السورية وما يعقبه من تبعات ستؤثر بشكل مباشر على أمنها القومي، لكن من ناحية أخرى فإن بوتين يدرك أن الإفراط في الضغوط على تركيا في ملف إدلب قد يعيد أردوغان إلى حلف "ناتو" المرتبط قانونيا ومن ثم يعود إلى واشنطن، وبالتالي يكرر خطأ جوزيف ستالين في 1945-1946، عندما دفعت مطالبات السوفييت بأراض تركية إلى انضمام تركيا إلى حلف ناتو لذا فإن بوتين يدرك أن مصالحه الإستراتيجية الطويلة الأمد ستتحقق بشكل أفضل عبر التنازل، وهنا تفتح مساحات المناورة لترويض الدب الروسي، فتصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو منذ أيام الرافضة لهجمات النظام في إدلب، والمؤيدة لموقف تركيا تصب بشكل كبير في صالح مساحات المناورة تلك.

لكن أوراق المناورة لا تقف عند حد الورقة الأمريكية، فلدى تركيا أوراق أخرى تتمثل في موقعها الاستراتيجي بالنسبة لروسيا، ودورها المحوري في المضايق، متنفس روسيا للعالم، وحاجة الأخيرة لتركيا كقاعدة متقدمة لها على حلف ناتو، وهي الورقة التي تلاعب بها تركيا كل من روسيا وأمريكا على حد سواء، وكذا فإن ورقة القرم أحد الأوراق المهمة في جعبة تركيا في ملاعبة موسكو، ويأتي في السياق علاقات تركيا الوثيقة مع أوكرانيا والتي عززتها زيارة الرئيس أردوغان خلال الشهر الجاري، حتى الغاز الروسي لا يعد عائقا كبيرا في الفترة القادمة، بل على العكس قد يكون ورقة قوة لتركيا في مواجهة روسيا، كما أن القوة التركية لا يمكن الاستهانة بها في مواجهة قوات الأسد وهو ما يضع روسيا في حرج شديد في حال وقعت مواجهة حقيقية تنفيذا لتهديدات الرئيس أردوغان، ومن ثم فإن المتوقع هو اتفاق جديد يرضي تركيا ويحفظ مساحات من التعاون تحتاجه روسيا كما تحتاجه أنقرة.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس