د. باسل الحاج جاسم - إندبندنت عربية

تحظى اضطرابات قرغيزستان، الجمهورية السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى، باهتمام بالغ لا سيما أنها من بين إحدى المناطق التي تعتبرها روسيا جزءاً من مجال نفوذها، وتتزامن مع الأزمة السياسية في بيلاروس التي أعقبت الانتخابات الرئاسية، والصراع المشتعل في شرق أوكرانيا، والحرب المتجددة بين أرمينيا وأذربيجان في إقليم ناغورنو قره باغ.

ينظر الى كل أطراف الاحتجاج القرغيزي بأنها موالية لروسيا، وبالنسبة لموسكو هذا صداع آخر في الجغرافيا الثالثة والتي ترتبط مع روسيا بمعاهدات إقليمية، عسكرية وسياسية اقتصادية، أولاً بيلاروس ثم أرمينيا والآن قرغيزستان.

وعلق المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف على ما يجري في قرغيزستان قائلاً: "لقد كان قرار الشعب. ونحن، تماماً كما في حالة بيلاروس، لا نريد التدخل في هذه العمليات داخل قرغيزستان بأي شكل من الأشكال".

كانت قرغيزستان، التي تمتلك حدود طويلة مع الصين، على الدوام متحالفة استراتيجياً مع روسيا، (وتدخل مع الدولتين في منظمة شنغهاي للتعاون)، محور التنافس الجيوسياسي بين موسكو وبكين وواشنطن واللاعبين الآخرين، منذ أن نالت استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، (سبق وأن أقامت فيها الولايات المتحدة قاعدة عسكرية جوية، جرى إغلاقها لاحقاً) وعلى مدى السنوات الـ15 الماضية من الصراع السياسي المتكرر في قرغيزستان، تمت الإطاحة برئيسين في ثورات عنيفة عام 2005 و2010.

دخلت الجمهورية السوفياتية السابقة في فوضى سياسية، بعد سيطرة مؤيدي المعارضة على البرلمان وإطلاق سراح قادتها المسجونين في احتجاجات على الانتخابات البرلمانية التي وصفتها بأنها مزورة، وألغت اللجنة المركزية للانتخابات في البلاد نتائج تصويت الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، تحت ضغط متزايد من المحتجين، بعد يوم من منح أغلبية المقاعد لحزبين سياسيين لهما علاقات بالرئيس القرغيزي سورونباي جينبيكوف.

كل القيادة القرغيزية تقريباً مفقودة، وزير الداخلية الحالي غير معروف مكانه، وعين مجلس التنسيق النائب السابق لوزارة الداخلية، كورسان أسانوف، كحاكم للعاصمة بيشكيك، ويحاول الآن إعادة بناء هياكل لمقاومة النهب، واختارت الشرطة موقف المتفرج، حتى لا تكون متطرفة لاحقاً، وفقاً لتجارب سابقة، خلال ثورة البنفسج عام 2005، التي أطاحتها انتفاضة شعبية أخرى عام 2010.

بعد إعلان نتائج الانتخابات في الخامس من أكتوبر الجاري، كان من الممكن توقع رد الفعل هذا، ووفقاً للنتائج المعلنة، وصل إلى البرلمان أربعة أحزاب فقط من أصل ستة عشر حزباً، شاركت في الانتخابات، بعد أن تغلبت على حاجز السبعة في المئة، ودخلت البرلمان تقريباً جميع الأحزاب ذات الميول الجنوبية المرتبطة بالرئيس جينبيكوف، واستبعدت أقدم أحزاب المعارضة "بوتون-قرغيزستان"، "ريسبوبليكا"، "أتامكين".

وعزا المحللون السياسيون أزمة قرغيزستان جزئياً إلى الانقسام السياسي والاقتصادي والعرقي طويل الأمد بين الجنوب الزراعي في البلاد والشمال الأكثر تطوراً، وكانت الاضطرابات في التعايش الهش بين الشمال والجنوب مصدراً مزمناً للاضطرابات، حيث ينقسم البلد أساساً بسلسلة جبال إلى قسمين: الجنوب والشمال، والسلطات دائماً لديها ممثلين عن الجنوب والشمال، ويعتبر الرئيس الحالي ممثلاً لعشائر الجنوب. 

يُنظر إلى رئيس قرغيزستان جينبيكوف، وهو من الجنوب، على أنه قد كسر أساساً هذا التعايش (بين الشمال والجنوب)، والسخط الخطير بسبب التحول الكبير في التمثيل البرلماني، فقد أعطت نتائج الانتخابات البرلمانية 100 مقعد من مقاعد المجلس البالغ عددها 120 مقعداً لممثلي عشائر الجنوب، واتهم المحتجون من الشمال خصومهم الجنوبيين بالتصويت الفاسد وكسر التوازن السياسي القائم.

هناك صراع دائم بين العشائر للسيطرة على البلاد والنفوذ، منذ الحقبة السوفياتية، وكان الانقسام واضحاً إذ إن السلطة موزعة بين الشمال والجنوب، على سبيل المثال، الرئيس من الجنوب، ورئيس الوزراء من الشمال، أو العكس، و الآن تم انتهاك هذا التكافؤ، وبمجرد أن يأتي زعيم من الجنوب، يبدأ استبدال الجميع بممثلي العشائر الجنوبية، والعكس صحيح.
 
يحكم جينبيكوف البلاد منذ ثلاث سنوات فقط، ومعدلات الفقر مرتفعة للغاية، حيث يعيش ثلث السكان في فقر مدقع والمصدر الرئيس للدخل هو تحويلات المواطنين العاملين في الخارج، ولا توجد فرص لتلقي استثمارات جديدة وسداد الديون، وبيشكيك غارقة في فجوة ديون عميقة، معظمها للصين، وتعاني البلاد من وضع صعب للغاية، وكان للفوضى تأثير مروّع فوري على الاقتصاد المتعثر بالفعل، زاده سوءاً انتشار وباء كورونا.

كل ما سبق ذكره، أدى إلى تأثير تراكمي، كما لم تتوقع السلطات تماسكاً عالياً من المعارضة التي لم تستطع تجاوز حاجز الـ 6 في المئة، ولم تنتظر أي حشد أو استفزاز، فإذا كان بإمكان الرئيس التمسك بالسلطة، فإن إلغاء نتائج الانتخابات لا يشير إلى نجاح الانقلاب أو الاحتجاج، وإنما فوز المحتجين على نتائج الانتخابات.
 
الواضح اليوم أن النظام السياسي في البلاد على وشك الانهيار، فلا سلطات شرعية متبقية سوى البرلمان المنتهية صلاحيته، والرئيس جينيبيكوف على وشك مواجهة إجراءات العزل، وفي الوقت نفسه لا يمكن للنواب الاتفاق على مسألة الإقالة أو من سيرأس الحكومة.
 
وفي محاولة لاستعادة توزان معين، يحاول المجلس التنسيقي، الذي أسسه رؤساء وزراء سابقين لقرغيزستان، أوماربيك بابانوف وتيمير سارييف، موازنة السلطة من حيث تمثيل العشائر، ولكن هذا يعتمد على مدى استعداد الرئيس للاتصال بهم من أجل استقرار الوضع، وهذا المجلس التنسيقي هو الأمل الوحيد في أن تتمكن البلاد من تجنب أزمة سياسية، بشرط الحفاظ على توازن المجموعات والأحزاب والعشائر هناك.
 
يبقى القول إن الحفاظ على استقرار دول آسيا الوسطى، يعتبر ضماناً لاستقرار الدول المتحالفة معهم أيضاً، وهو ما قد يتوفر في روسيا والصين، فروسيا تريد الحفاظ على نفوذها السياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري في المناطق التي تعتبر حدائق خلفية لها، ومنع حدوث أي فوضى قد تنتقل إلى عمقها الداخلي، فيما تنظر الصين للمنطقة كميناء تجاري مهم، يؤمن لها الطاقة الرخيصة، إضافة إلى ممر عبور ضخم لتصريف بضائعها.

عن الكاتب

د. باسل الحاج جاسم

كاتب وباحث في الشؤون التركية الروسية، ومستشار سياسي، ومؤلف كتاب: كازاخستان والآستانة السورية "طموحات نمر آسيوي جديد وامتحان موسكو"


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس