سعيد الحاج - الجزيرة نت 

على هامش التوتر المتصاعد مؤخرا في منطقة دونباس شرق أوكرانيا والحشود والمناورات الروسية قرب حدودها، تتعاقب إشارات على توتر خفي بدأت تتضح معالمه بين روسيا وتركيا.

الموقف التركي

مثل غيرها من الدول، لم تعترف تركيا بضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 بعد استفتاء شعبي أحادي الجانب، يدفعها لذلك -إضافة لعدم قانونية الاستفتاء من وجهة نظرها- التزامها بموقف حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تنتمي له، وتركيزها على سكان شبه الجزيرة من العرق التركي، أي تتار القرم.

ورغم تحسن علاقاتها مع روسيا -خلال السنوات التي تلت ذلك في عدة مجالات اقتصادية وتجارية وسياسية بما في ذلك التفاهمات والتنسيق في بعض القضايا وصفقات أسلحة إستراتيجية ومشاريع طاقة عملاقة- إلا أن أنقرة بقيت مصرّة على موقفها وترديده على مسامع المسؤولين الروس في كل مناسبة.

ومن ذلك بيان وزارة الخارجية التركية في أيلول/سبتمبر 2020 تعقيبا على حكم محكمة عسكرية روسية بالسجن على 7 من تتار القرم؛ حيث قال البيان إنه من المؤسف "اضطهاد الأتراك التتار السكان الأصليين لشبه جزيرة القرم بمثل هذه الأساليب"، مؤكدا على أن تركيا "لا تعترف بالضم غير المشروع لشبه جزيرة القرم، وتواصل الوقوف بجانب أبناء جلدتها أتراك التتار الذين يدافعون عن حقوقهم ومصالحهم بالوسائل السلمية".

هذا الموقف التركي كرره مؤخرا الرئيس رجب طيب أردوغان لدى استقباله نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في إسطنبول، قائلا إن بلاده "دافعت بقوة عن وحدة الأراضي الأوكرانية، وأكدت مرة أخرى قرارها المبدئي بعدم الاعتراف بضم شبه جزيرة القرم"؛ إلا أنه أكد أن تعاون بلاده مع أوكرانيا ليس موجها ضد أي طرف ثالث -قاصدا روسيا في المقام الأول- وأن هدف بلاده الرئيس هو استمرار البحر الأسود "كبحر للسلام والهدوء والتعاون".

ولم يقف موقف أنقرة هذا عقبة أمام التعاون والتنسيق وتطوير العلاقات خلال السنوات الخمس السابقة مع روسيا، إلا أن الأخيرة تبدو منزعجة اليوم من بعض المتغيرات والتطورات في الموقف التركي مؤخرا.

فقد وقّعت أوكرانيا في ديسمبر/كانون الأول 2019 اتفاقا لشراء 6 طائرات بدون طيار (مسيّرات) تركية من طراز "بيرقدار تي بي2"(Bayraktar TB2)، كما وقّعت بعد ذلك بعام عدة اتفاقيات تعاون بخصوص المسيّرات وسفن حربية، وبين هذه وتلك فقد منحت تركيا أوكرانيا هبة بقيمة 200 مليون دولار للدعم العسكري خلال زيارة أردوغان لكييف.

وزير الدفاع الأوكراني أندريه تاران قال إن هذه الصفقات تهدف إلى "تقوية البحرية الأوكرانية لزيادة الأمن في البحر الأسود وبحر أزوف"، كما أن أوكرانيا أعلنت أكثر من مرة استخدامها هذه المسيّرات فوق البحر الأسود وإقليم دونباس.

كما أعلنت أنقرة قبل أيام عن قرب مرور سفينتين حربيتين أميركيتين عبر مضائقها إلى البحر الأسود وبقائهما حتى أوائل مايو/أيار المقبل، قبل أن تعود واشنطن عن هذا القرار، بينما تحدثت تقارير عن احتمال مرور سفن حربية بريطانية قريبا عبر المضائق نحو البحر الأسود.

تحذيرات روسية

صدرت مواقف روسية متحفظة و/أو ناقدة لتركيا من عدة مستويات رسمية على مدى الأسابيع الماضية. فقد حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تركيا من مغبة بيع السلاح لأوكرانيا داعياً إياها – والدول المعنية – "لتحليل تصريحات النظام الأوكراني الحربية التصعيدية جيداً، وعدم النفخ في النار".

مساعد رئيس الوزراء الروسي يوري بوريسوف بدوره هدد بـ"إعادة النظر في التعاون الفني والعسكري مع تركيا" في حال باعت مسيّرات لأوكرانيا. أما الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا فقد رأت أن تصدير تركيا السلاح لأوكرانيا "لن يساعد في حل المشكلة" بالطرق السلمية، داعية إياها "لتجنب الخطوات التي تحفز الأهداف الانتقامية لكييف".

كما أن موسكو أبدت اعتراضها على موافقة أنقرة على مرور سفن حربية أمريكية نحو البحر الأسود مشككة في نوايا الولايات المتحدة، ومتحفظة على ما عَدَّته انتهاكاً لاتفاقية مونترو للمضائق (1936) التي ما زالت سارية حتى اليوم. وهو الادعاء الذي نفاه وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو بشدة، قائلاً إن بلاده "تطبق الاتفاقية حرفياً" وهو ما ينبغي أن يحول دون قلق روسيا أو أي دولة أخرى، في إشارة لنص الاتفاقية على حق الدول غير المطلة على البحر الأسود إدخال سفنها الحربية للبحر الأسود على أن تغادره في مدة أقصاها أسبوعان.

الغضب الروسي تحول فيما يبدو لاحقاً من التصريحات للمواقف، حيث أوقفت موسكو رحلاتها الجوية إلى تركيا اعتباراً من منتصف أبريل/نيسان الجاري وحتى الأول من حزيران/يونيو المقبل. ورغم أن الناطق باسم الرئاسة التركية أندري بيسكوف نفى أن يكون للأمر أي أسباب سياسية وأنه اتخذ حصراً بسبب جائحة كورونا و"الوضع الوبائي في تركيا"، وهو التقييم الذي وافقه عليه وزير الخارجية التركي، إلا أن الكثيرين ربطوا القرار بالأزمة الأوكرانية لا سيما وأنه تزامن مع زيارة زيلينسكي إلى تركيا.

التداعيات

حتى اللحظة، لا يمكن الحديث عن تداعيات جدية للأزمة وموقف تركيا منها على علاقاتها مع روسيا، ولا سيما أن الطرفين استطاعا خلال السنوات الفائتة ترسيخ علاقاتهما بحيث لا تتأثر بالخلافات والاختلافات الكثيرة بينهما في مختلف القضايا والملفات، من خلال أطر التفاهم والتنسيق التي كان هدفها الرئيس تجنيب الطرفين الصدام وتقديم المصالح على الخلافات والتوصل إلى حلول وسط.

بيد أن الأزمة الحالية تختلف عن سابقاتها من حيث نظرة موسكو لها وارتداداتها عليها، فهي تقع في عمقها الإستراتيجي الذي لا تقبل فيه أي تهديدات أو منافسة. كما أن الأزمة رفعت من مستوى التوتر بينها وبين حلف الناتو الذي تعدّ تركيا القوة العسكرية الثانية فيه، وتحاول قدر الإمكان ألا تُمايز موقفها عنه.

من جهة أخرى تبدو الإدارة الأميركية الجديدة عاملا مهما في الأزمة، بل لعلها أحد أهم أسباب تفاقمها وتوترها مؤخرا؛ إذ ثمة انطباع بأن روسيا أرادت بحشودها وتصعيدها تحدي إدارة جو بايدن في بداياتها، وأن أوكرانيا تراهن في موقفها المتصلب على دعم مفترض من واشنطن اعتمادا على تصريحات الأخيرة وخطابها الحاد تجاه روسيا. ومن جهة أخرى، تحرص أنقرة كثيرا على تجنب أي أزمة مع إدارة بايدن، وبالتالي تهتم بتنسيق المواقف معها ومع الناتو قدر الإمكان.

وهناك قضايا إقليمية عديدة تنخرط بها روسيا وتركيا على أساس التباين والاختلاف أكثر من التحالف والتعاون، وتنضم إليها الآن الأزمة الأوكرانية. وإذا ما أبدت روسيا -حتى الآن- تحفظات ولغة تحذيرية؛ فإنها قد أثبتت سابقا أنها تربط بين القضايا وتحاول الحوار أو التفاوض حولها كحزمة واحدة، وتضغط في إحداها لتحصيل موقف في أخرى، وقد حصل ذلك مرارا في سوريا على وجه التحديد.

ولذلك فإن تركيا تتوجس من رد فعل روسي أو خطوة مفاجئة، وتسعى لتجنب ذلك. ففي المقام الأول تؤكد تركيا -على لسان وزير خارجيتها- أنها ليست طرفا في الأزمة وتقف على الحياد تماما وحريصة على علاقاتها الجيدة مع طرفيها، وأنها تدعم حلها سياسيا وسلميا عبر التواصل الدبلوماسي، كما أن تصريحات مولود جاويش أوغلو تؤكد التزام بلاده بتطبيق اتفاقية مونترو بحرفية ودقة بما يفترض ألا يثير قلق موسكو كثيرا.

وفي العموم، ورغم كل ما سبق، فإن أنقرة حريصة جدا على عدم الإخلال بالتوازن القائم في علاقاتها مع كل من روسيا والولايات المتحدة، فهي ملتزمة بالمواقف والتوجهات العامة للناتو، ولكن دون أن تسمح لذلك بأن يؤدي لأزمة مع موسكو. وإن كانت الأزمة الأخيرة أكدت مجددا المساحة الواسعة من الخلافات والاختلافات بين أنقرة وموسكو، بما لا يسمح حاليا -وعلى المدى المتوسط- بتشكيلهما محورا أو تحالفا، وأكدت كذلك أن روابط علاقات تركيا الأطلسية أقوى من أن تفكّ عراها.

وأخيرا، من غير المتوقع أن يكون للأزمة الأوكرانية تأثيرات كارثية على العلاقات التركية-الروسية، إلا في حال تطورت إلى صدام عسكري واسع على شكل مواجهة بين روسيا والناتو، وهو أمر مستبعد جدا حتى اللحظة وفق المعطيات الحالية، ما سيسمح للبلدين لاحقا بتجاوز التوتر الحالي كما تجاوزا أشباهه سابقا.

 

عن الكاتب

سعيد الحاج

باحث في الشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس