إسماعيل ياشا - عربي21

اندلعت اشتباكات في دير الزور شرقي سوريا قبل حوالي عشرة أيام بين العشائر العربية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تقودها وحدات حماية الشعب التابعة لحزب العمال الكردستاني، على خلفية اعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل (أبو خولة) وعدد من أعضاء مجموعته، بعد دعوتهم لحضور اجتماع في مدينة الحسكة شمال شرقي البلاد.

العشائر العربية تطالب بإطلاق سراح المعتقلين لدى وحدات حماية الشعب الكردي، وإخراج قوات هذه الأخيرة من دير الزور، كما تسعى إلى استرداد حقوق أبناء المنطقة في إدارتها والاستفادة من مواردها لصالح سكانها. وتحظى هذه المطالب والأهداف بدعم بعض العشائر العربية الأخرى التي تقطن في المناطق المحررة والتي أعلنت وقوفها إلى جانب عشائر دير الزور.

وحدات حماية الشعب الكردي تتمتع بدعم الولايات المتحدة، وروسيا، وإيران، بالإضافة إلى دعم النظام السوري. وتبذل واشنطن جهودا حثيثة لإنهاء الاشتباكات بين "قسد" والعشائر العربية، ويقصف الطيران الروسي المناطق التي تحررها قوات العشائر في جبهة منبج، فيما يرسل النظام السوري إلى خطوط الاشتباك مزيدا من قواته لمساندة وحدات حماية الشعب الكردي. كما أن هناك عشائر عربية في الرقة والحسكة تدعم "قسد" في قتالها في دير الزور وغيرها ضد العشائر العربية، وبعبارة أخرى، العشائر العربية ليست موحدة في هذه المعركة. وفي مقابل ذلك، ليست هناك قوة إقليمية أو دولية تدعم العشائر العربية الثائرة على "قسد"، غير أن أبناء تلك العشائر هم أصحاب الأرض والحق وقضيتهم عادلة.

العشائر العربية في دير الزور كبدت "قسد" خسائر كبيرة خلال أيام، إلا أن الأخيرة يمكن أن تستعيد سيطرتها على القرى التي قامت قوات العشائر العربية بتحريرها، لأنها -كما ذكرت آنفا- تتمتع بدعم خارجي كبير. وبالتالي، يطرح هذا السؤل نفسه: "ماذا لو انهزمت العشائر العربية وانتصرت وحدات حماية الشعب الكردي في دير الزور؟".

الاشتباكات بين العشائر العربية وقوات "قسد" اندلعت بعد أن طفح الكيل بسبب الانتهاكات التي تمارسها وحدات حماية الشعب الكردي في المناطق التي يشكل أبناء العشائر العربية أغلبية سكانها. وإن انتصرت وحدات حماية الشعب الكردي في هذه المعركة بدعم الولايات المتحدة وروسيا وإيران والنظام السوري فإنها ستشدد قبضتها على المناطق التي تسيطر عليها في شرق سوريا وشمال شرقها، ما يعني أن العشائر العربية ستزداد معاناتها.

منطقة دير الزور الغنية بالنفط هي منطقة عربية بالمطلق، ومع ذلك تستطيع وحدات حماية الشعب الكردي أن تحكمها بالحديد والنار وبالدعم الخارجي، كما حكم حليفها النظام السوري النصيري الغالبية السنية في سوريا لسنين طويلة. كما يتوقع أن تقوم تلك المليشيات الانفصالية، في حال انتصرت على العشائر العربية، بتغيير ديموغرافي في المنطقة.

هزيمة العشائر العربية أمام وحدات حماية الشعب الكردي ستدفع الأخيرة إلى الشعور بالانتصار على العشائر العربية ذات الغالبية السكانية وفصائل الثورة السورية وحتى تركيا، ومن المؤكد أن هذا الشعور سيجعلها تمضي قدما في مشروعها الانفصالي الذي يهدف إلى تقسيم سوريا والعراق وتركيا. ويعني ذلك أن الخطر الذي يهدد الأمن القومي التركي ووحدة الأراضي التركية سيكبر، وأن تركيا معنية بنتائج المعركة الدائرة بين العشائر العربية وقوات "قسد"، ويجب عليها أن تحول دون هزيمة العشائر العربية بأي وسيلة.

وزارة الخارجية التركية أصدرت بيانا أعلنت فيه أنها تراقب "عن كثب وبقلق" الاشتباكات بين عشائر عربية ووحدات حماية الشعب الكردي في دير الزور. وفي تعليقه على ما يجري في شرق سوريا، ذكر رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان أن "التنظيم الإرهابي لا يتردد في ارتكاب مجازر للسيطرة على النفط"، مضيفا أن "تركيا وجهت التحذيرات اللازمة بهذا الصدد للدول المعنية".

هناك انتقادات موجهة إلى أنقرة مفادها أنها تتردد دائما أمام الفرص، وأن هذا التردد يؤدي في النهاية إلى ضياع تلك الفرص الثمينة. وإن كانت هذه الانتقادات تبدو للوهلة الأولى في محلها، فإن أنقرة قد تكون لديها معطيات أخرى ومعلومات مؤكدة تدفعها إلى عدم الاستعجال، كما أنها يجب أن تراعي التوازنات والظروف السياسية والاقتصادية قبل أي تحرك عسكري خارج الحدود. ومع ذلك، يمكن أن تقوم بدعم العشائر العربية الثائرة بشكل أو آخر، حتى وإن كانت الظروف الحالية لا تسمح لها بتنفيذ تدخل مباشر على غرار العمليات العسكرية السابقة.

عن الكاتب

إسماعيل ياشا

كاتب تركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس