د. أحمد البرعي - خاص ترك برس

قال الشاعر التركي نجيب فاضل يومًا "تشعر ويكأنك غريب في وطنك ومنبوذ في بلدك!" بيت من قصيدة كثيرًا ما يكرره الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" في خطاباته. هكذا كانت تركيا قبل أن ترتوي بحب قادتها المعاصرين.

نعم، لا تستغرب عندما تعلم أن الجامعات التركية قبل سنوات قليلة جدًا كانت تحظر على الطالبات المحجبات دخول حرم الجامعة، حتى أن أردوغان نفسه قد ابتعث بناته المحجبات للدراسة في الجامعات الأمريكية في الوقت الذي لم يستطعن أن يلتحقن بالجامعات التركية في وطنهن، الذي يمثل المسلمون فيه 99% من تعداد سكانه. لا تستعجب عندما تعلم أن الجامعات التركية التي تدرس العلوم الشرعية لم يكن فيها مسجدًا فضلًا عن جامع للصلاة قبل بضع سنوات حتى في ظل وجود حكومة العدالة والتنمية.

مؤخرًا انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي التركية مادة مصورة لمجموعة من الطلاب الشيوعيين يعتدون بالضرب وبالعصي على مجموعة من طلاب جامعة "الشرق الأوسط" بأنقرة، عقب انتهائهم من إقامة الصلاة في ملعب لكرة السلة داخل حرم الجامعة، بسبب ضيق المسجد المخصص للصلاة، والذي كان تم تحويله حديثًا من مستودع إلى مسجدٍ بناءً على طلب من طلاب الجامعة.

ذات يومٍ صلى العصر صديقٌ لي في مكتبة الجامعة، فعاجله حرس الجامعة فورًا طالبًا منه أن يقطع صلاته وأن ينتقل للصلاة في المسجد الذي يقع خارج حرم الجامعة، ويحتاج لكي يصل إليه أن يمشي ما يقارب نصف الساعة.

ما الذي قد يدفع مجموعة من الطلاب في أرقى الجامعات التركية وأعلاها تقييمًا في سلم التصنيف التركي والعالمي أن يقوموا بالاعتداء على مجموعة أخرى من الطلاب لا لشيء إلا لقيامهم بإظهار شريعة الصلاة في أرض خارج المسجد؟! ما الذي يدفع طالبات ليس فقط نفس الجامعة بل وغيرها أيضًا من الجامعات أن يعتدين على بنات محجبات بحجج وذرائع كاذبة إذ اتمهن بأنهن يجمعن التبرعات لنصرة الإرهابيين في داعش وغيرها، هوجمت بعض الفتيات أيضًا لمجرد اقامتهن لفعالية تتسم من قريب أو بعيد بالسمت الإسلامي؟!

دفعت هذه الأحداث قبل أكثر من عام الرئيس التركي إلى أن يذكّر الحضور بأن مثل هذه الأحداث، والتي اعتبرها تهديدًا فعليًا للسلم المجتمعي والأمن القومي التركي هي ما دفعته للمطالبة بتغيير بنية حراسة وأمن الجامعات، وأوصى بأن يتم ربط نظام الأمن في الجامعات بمركزية حكومية تباشر وتشرف على أدائه، وتمنع مثل هذه الاعتداءات والممارسات، التي تعطل وتعكر سير العملية التعليمية.

كثيراً ما انتقد "أردوغان" رئيس جامعة الشرق الأوسط "أحمد أجار والذي تم تعيينه رئيسًا للجامعة إبان فترة رئاسة الرئيس التركي الحادي عشر "عبد الله غُل". وجه أردوغان الانتقادات للجامعة وطاقمها الأكاديمي قائلًا "إن كان هذا حال أساتذة الجامعات فلكم أن تتخيلوا طبيعة الطلاب الذي سيخروجون لنا من تحت أيديهم." جدير بالذكر أن اختيار رئيس الجامعة في الجامعات الحكومية التركية تتم على أساس التصويت السري بين أعضاء الكادر التدريسي ويتم الموافقة عليه من قبل رئيس الجمهورية.

أعقبت هذه الحادثة حادثة خطيرة وهي الهجوم الالكتروني الأشرس على وزارة النقل والاتصالات التركية وبعض الوزارات والمصارف الحكومية والخاصة، والتي اتهم وزيرها "بن علي يلدرم" جامعة الشرق الأوسط بعدم اتخاذ التدابير الكافية للحيلولة دون وقوع مثل هذا الهجوم. بينما وصف نائب رئيس الوزراء التركي "لطفي علوان" رئيس جامعة الشرق الأوسط بأنه يعتقد نفسه امبراطورًا يتصرف في الجامعة كمملكة خاصة له، وأوضح أن جامعة الشرق الأوسط لها صلاحيات فيما يخص تزويد وحماية مواقع الإنترنت التركية، ولكن وحسب الحاجة والتحديات التي تواجهها البلاد فإن وزارة الاتصالات التركية قد قامت بإنشاء مؤسسة التكنولوجيا والمعلومات، وينبغي على جامعة الشرق الأوسط أن تنقل كافة الصلاحيات والخبرات إلى مؤسسة التكنولوجيا والمعلومات.

يأتي هذا في الوقت الذي أعلن فيه "أحمد أجار" رئيس الجامعة رفضه لتلك الاتهامات قائلًا: "إن ما تعرضت له تركيا يعد واحدًا من أشرس الهجمات الالكترونية الحقيقية، وقد قامت الجامعة بكوادرها مجتمعةً باتخاذ كافة التدابير اللازمة لتقليل حجم الخسائر والأضرار التي كانت ستلحق بالقطاع المصرفي والحكومي لولا جهود الجامعة وكادرها البشري."

تتجه أصابع الاتهام إلى روسيا على خلفية أزمة الطائرة الروسية والتوتر الذي خلفته بين البلدين، بينما أعلنت مجموعة من قراصنة الإنترنت أطلقت على نفسها اسم "أنونيموس" مسؤوليتها عن الهجوم، مؤكدين أنها استهدفت البنوك والمؤسسات التي تدعم وتتعاون ماليًا مع "داعش" بينما أعلن وزير الاتصالات "بن علي يلدريم" أنه من الصعب بمكان تحديد مصدر الهجوم ولكنه أضاف أيضًا أنه كان بالإمكان منع مثل هذا الهجوم لولا تقصير وعدم التعاون الجهات المختصة في جامعة الشرق الأوسط ولذلك أضحى الأمر ملحًا لنقل الصلاحيات تمامًا من الجامعة، ولا بد على الجامعة رئيسًا وهيئات أن تمتثل للقانون.

وأيا كانت الجهات المسئولة عن الهجوم فإن تركيا كانت ولا تزال وجهة المؤامرات والمكائد ولن يتوقف الحاقدون من عرب وعجم عن محاولة الايقاع بها كحصن باق يدافع عن المظلومين والمضطهدين ويقف في خندق الشعوب والمظلومين. وكما غيرها من الكيانات العلمانية ومدعي الليبرالية والتحرر تزخر تركيا بمنفصيمي الشخصية من أصحاب المعالي والشهادات والألقاب الذين لا يزالون يعيشون عصور القرون الوسطى في التعامل مع حريات الآخرين وكأن الحرية والديمقراطية فصلت نعالا على مقاس أقدامهم.

عن الكاتب

د.أحمد البرعي

باحث ومحاضر في قسم الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة أيدن


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس