ترك برس

مؤخرا وبعد الانتخابات التركية التي فاز بها أردوغان وتحالفه في مايو 2023، رأينا أن تركيا قبلت عضوية السويد في الناتو، والتقى أردوغان مع بايدن لقاء بدا وديا جدا، كما قامت كندا بإلغاء الحظر الذي فرضته سابقا على الصناعات العسكرية التركية، وظهر حديث عن قرب التفاهم على صفقة إف 16 بين تركيا والولايات المتحدة، وبدت اللهجة بين تركيا واليونان أقل حدة، ولمّا تم تشكيل الحكومة التركية بعد الانتخابات وخاصة الفريق الاقتصادي الذي يعتبر قريبا إلى عدة دول غربية مال كثير من المحللين إلى أن الحكومة غربية الهوى أو أقرب إلى الغرب.

كان مثل هذا الحديث يتردد أيضا بعد لقاءات أردوغان مع بوتين وبعد توقيع الاتفاقيات مع دول الشرق وخاصة في لحظات التوتر مع الولايات المتحدة وفرنسا واليونان، وكان بعض المتابعين والمراقبين يتساءلون في كل مرة هل تتجه تركيا نحو الشرق، وفي الحقيقة هذه الأسئلة تستند إلى تقييمات هشة ليست دقيقة فمن الواضح بلا لبس أن تركيا اختطت طريقا خاصا بها فهي في فترة قد تظهر أنها أقرب إلى طرف ما لكنها لم ولن تصطف معه ضد الطرف الآخر. وأحيانا تتقرب إلى طرف بهدف إبراز أهميتها للطرف النقيض وللحصول على أكبر قدر من المصالح ولتظهر له أنها ليست معدومة الخيارات. والفكرة أن طرفا ما لم يتعامل مع هواجس تركيا الأمنية بشكل تطمئن له مما جعل الباب مفتوحا لها للبحث عن تطمينات لدى جهات أخرى منافسة.

لا بد من إدراك أن تركيا لديها مصالح ومخاوف وتهديدات من الطرفين ولا يمكن أن تكون تماما في جهة فهذا يضعفها كما أنها تستفيد من كل مراكمة مع طرف لتأخذ مكاسب من الطرف الآخر. ولهذا السبب فإن أردوغان بعلاقات جيدة مع الغرب أمام بوتين أفضل من أردوغان بعلاقات سيئة مع الغرب وكذلك الحال أردوغان بعلاقات ممتازة مع روسيا أمام بايدن أفضل من أردوغان بعلاقات سيئة ومتوترة مع بوتين. وعليه فإننا نرى الآن أن أردوغان الذي يتوقع أن يلتقي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قريبا يعرض بثقة وساطة بين روسيا وأوكرانيا في هذا التوقيت لتحقيق وقف اطلاق النار واستئناف اتفاقية الحبوب. كما يرى عدد من الباحثين فإن فكرة التوجه شرقا والتوجه غربا هي فكرة باقية من حقبة الحرب الباردة وليست واقعية تماما في أيامنا هذه فالدول في ظل سيولة النظام الدولي وحتى مع صعود دول في الشرق كالصين والهند تبحث عن مصالحها.

كما أن فكرة الشرق ليست كتلة واحدة فالصين والهند وروسيا ليسوا جبهة واحدة. وحتى تركيا داخل الناتو تبدو أحيانا منسجمة وفي أحيان أخرى لا تبدو دولة ناتو أبدا. وهذا واضح في أنها لا تتبنى رؤية الناتو تجاه روسيا كما بقية دول الناتو.

تستفيد تركيا بلا شك من علاقاتها الجيدة مع الغرب في تقوية حضورها وعلاقاتها مع حلفاء الغرب في المنطقة أو مع من كانوا حلفاءه أو قريبين منه، ومن زاوية أخرى تستفيد تركيا من تحديها للغرب أيضا ونبرتها الاستقلالية عنه في بعض الأحيان في الظهور كمثال قوي أمام مكونات المنطقة في ظل الانسحاب الأمريكي عن المنطقة.


**مقال تحليلي للكاتب والباحث محمود سمير الرنتيسين، في مركز سيتا التركي للدراسات والأبحاث

عن الكاتب

محمود سمير الرنتيسي

باحث في مركز سيتا للدراسات بأنقرة


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!