محمد ألغان - عربي بوست

يتصدّر اللاجئون السوريون النقاشات السياسية في تركيا منذ بداية لجوئهم إلى هذا البلد في عام 2011. بالتزامن مع انطلاقة الثورات العربية، اضطر بعض من شعوب البلدان العربية للمجيء إلى تركيا والعيش فيها لعوامل مختلفة، لكنهم كانوا أقل عدداً من إخواننا السوريين.

هناك عوامل دافعة وجاذبة للهجرة إلى تركيا، العوامل الدافعة تشمل الحروب والكوارث الطبيعية والقمع السياسي.

أما العوامل الجاذبة فتشمل موقف تركيا المتمثل بالوقوف إلى جانب شعوب الثورات العربية وشعبية الرئيس رجب طيب أردوغان ومواقفه إزاء الشعوب العربية، بالإضافة إلى التشابه الثقافي والديني بين تركيا والدول العربية.

فطبقت الدولة التركية سياسة الباب المفتوح أمام اللاجئين، وقدمت المساعدات بكل الوسائل المتاحة، وما زالت تفعل ذلك. واليوم يجب ألا نهضم حق تركيا لمجرد أنها باتت مسرحاً للعديد من المناقشات العنصرية. فقد كانت الأصوات المعادية ضد اللاجئين في تركيا ضعيفة حتى عام 2018 على وجه الخصوص.

لكن الأفكار العنصرية بدأت تنتشر وتجد مساحة أكبر لها عندما تصاعدت المشاكل الاقتصادية إلى مستويات لا يمكن تحملها بالنسبة للمواطنين الأتراك. في الوقت نفسه، تعقدت الأمور في سوريا أكثر مما أدى إلى تفاقم الأزمة، وأصبح واضحاً أن اللاجئين السوريين لا يملكون وطناً آمناً يمكنهم العودة إليه. وبناءً على ذلك، زادت احتمالية أن يبقى اللاجئون السوريون سكاناً دائمين في هذا البلد.

واليوم، وفي ظل هذا الوضع الصعب، ودون تجاهل أزمة تصاعد موجة العنصرية، أود أن أسلط الضوء على مسألة مهمة، إلا وهي أن مواقع التواصل الاجتماعي وللأسف تعكس التطورات الجارية في تركيا بشكل مبالغ فيه إلى العالم العربي. فنرى كل ما هو مسيء ينتشر بسرعة كبيرة، مما يؤدي إلى زيادة التشاؤم.

بينما لا يتم تسليط الضوء على العديد من نماذج العلاقات القوية بين الأتراك والعرب على هذه الأرض، حيث يوجد العديد من الأتراك الجيدين الذين تجمعهم صداقات مع السوريين، ويشعرون بالسعادة إزاء العرب الذين يحترمون تركيا، لكن بالطبع هؤلاء لا يظهرون في خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي التي تعمل على إبراز السيئين فقط.

مقترحات لمكافحة موجة العنصرية المتصاعدة في تركيا

تستضيف تركيا حوالي 5 ملايين لاجئ سوري على أراضيها. وسيواصل عدد كبير منهم العيش في هذا البلد لفترة طويلة، لذلك يجب على السوريين أن يمتلكوا رغبة أكبر في تعلم اللغة التركية. وأعلم أنه ليس من السهل، بل من الصعب على البعض تعلم اللغة عند عمر معين. لكن واقعيين أيضاَ في الاندماج في المجتمع التركي غير ممكن دون تعلم لغة أهله.

بالإضافة لذلك، يحتاج السوريون إلى أن يكونوا قادرين على شرح قصصهم وتجاربهم بأنفسهم. وسيساعد في ذلك الناشطون السوريون الشباب الذي في العشرينيات من العمر، حيث ترعرعوا ونشأوا في تركيا، لذلك يمكن اعتبارهم كجسور التواصل، فهم الآن يعرفون لغتين و ثقافتين مختلفتين، لذلك يجب العمل على إبرازهم وزيادة ظهورهم بشكل أوسع، فهم يمتلكون المواهب والإمكانات اللغوية والاجتماعية التي تمكنهم  بأعمال بارعة ومميزة للشرح عن مجتمعاتهم وثقافتهم. لذلك، يجب دعم زيادة أعدادهم، والعمل على تكثيف المحتوى الذي ينتجونه في وسائل الإعلام المختلفة والأماكن العامة.

يكافح العديد من النشطاء والصحفيين والسياسيين الأتراك، الذين يعتبرون أنفسهم بأنهم أصدقاء للسوريين (اعتبر نفسي من بينهم) في شتى المجالات لسنوات. إذ قمنا بتأسيس العديد من المنصات والجمعيات، ونظمنا الكثير من الحملات المساندة للشعب السوري.لكن اليوم، وللأسف عندما ننظر إلى موجة العنصرية المتصاعدة والمنتشرة على نحو خاص بين فئة الشباب، نجد أننا لم نحقق نجاحاً كبيراً. فمقارنة بصوتنا، وصل صوت السياسيين والإعلاميين الشعبويين إلى شرائح أكبر في المجتمع، خاصة ضمن أوساط الشباب، وقاموا بالتأثير بشكل كبير في أفكارهم. لهذا السبب بالتحديد يحتاج السوريون أنفسهم لتحدث عن أوضاعهم وشرح تجاربهم، دون الحاجة إلى وسيط.

بينما يترتب على الدولة تطبيق عقوبات رادعة على جرائم الكراهية. فالمواد المنتشرة في وسائل الإعلام مثل الأعمال الغوغائية والاعتداءات ضد اللاجئين لم يصدر بحق المتورطين فيها حتى أمر اعتقال. ولو صدر أمر الاعتقال لا يجري تنفيذه.

لقد وافق البرلمان على تمرير قانون التضليل على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن لا يجري تطبيقه على أرض الواقع، فلا تُتخذ أية إجراءات رادعة ضد الأخبار المزيفة التي يتم نشرها عمداً على وسائل التواصل الاجتماعي.

وهنا يجب التنويه لنقطة مهمة، ألا وهي أنه لا ينبغي أن ينتظر الناشطون السوريون والأتراك ونشطاء المجتمع المدني والسياسيون العازمون على مكافحة العنصرية، الدولة أن تتخذ موقفاً باستمرار يتماشى معهم، لأن تركيا بلد لا يزال بإمكان الدولة فيها اتخاذ إجراءات كيفية.

فالدولة التي تبنت بالأمس سياسة الباب المفتوح، وخطاب المهاجرين والأنصار، هي الدولة نفسها اليوم التي تعمل على مكافحة الهجرة غير النظامية، وتمنع تجديد تصاريح الإقامة للأشخاص الذين يمتلكونها لتضعهم في وضع غير قانوني يجبرهم على الرحيل. لذلك يجب ألا نعتمد على إسناد مهمة مكافحة العنصرية إلى الدولة بمفردها، بل يجب استخدام جميع الأدوات الصحيحة القائمة على القانون التي يمكن أن تضغط على الدولة.

يضم مجلس البرلمان التركي أكثر من 10 نواب من أصل عربي على نحو تقديري. لا يمتلك هؤلاء النواب وعياً سياسياً عربياً. وليسوا مجبورين على أن يكونوا كذلك. ولكن على أقل تقدير، يجب تذكيرهم بأن الخطاب العنصري يستهدف أيضاً أصولهم. وهناك العديد من النواب من أصول عربية في تحالف الحاكم والمعارضة على حد سواء. ويجب أن تدفعهم قضية شائنة مثل العنصرية إلى التكاتف والتحدث بصوت مسموع.

من جهة أخرى، يجب على النشطاء والسياسيين وممثلي المجتمع المدني من عرب وأتراك أن يتواصلو و يجتمعوا بشكل  أكثر وأعمق لتبادل المعرفة والخبرات. إذ يجب زيادة تعاون الجهود المشترك في عدة مجالات لحل ومناقشة مشاكل المجتمعات العربية التي تعيش في تركيا. وهنا أنا لا أقلل من شأن دور الأشخاص الفاعلين الذين يقومون بهذا النوع من العمل. ولكن يجب الإشارة إلي الحاجة  لتقديم المزيد من الأعمال والمشاريع وتطبيقها على أرض الواقع. فمنذ أكثر من عقد، استقر العديد من العرب في تركيا، مما يدفع بضرورة تكثيف وزيادة التبادل الثقافي والسياسي بشكل أعمق، ليصبح التأثير والنتائج المأمولة واقعا ملموساً.

بالتوازي مع تلك الجهود، يمكن لعرب تركيا أن يؤدوا دوراً أساسياً في مكافحة العنصرية. فقد تذكرت عتاباً من أحد أصدقائي السوريين مفاده: لماذا لم يعد عرب تركيا يهتمون بشأننا؟ وأرى أنه على حق في ذلك، وهنا يجب توضيح نقطة أخرى، وهي أن عرب تركيا لا يمتلكون وعياً سياسياً عربياً. فالعروبة هي مجرد رمز ثقافي، فالهوية لا تظهر إلا مع اللغة، وبما أننا كعرب تركيا لا نمتلك حق التعلم باللغة الأم فنحن مجتمع استيعابي بالمعنى السياسي.

ومع ذلك، بذلنا كل ما بوسعنا لمساعدة السوريين في الولايات الحدودية، فقدمنا يد العون لإخواننا في ولاية هاتاي وأورفة وماردين وفتحنا منازلنا لهم. وقد فعلنا ذلك على الرغم من أنّ هذه المدن هي الأكثر تردياً وتراجعا في تركيا من حيث الازدهار. وأعتقد أنه لو كان عرب تركيا استطاعو أن يرفعوا أصواتهم بشكل مسموع وواضح ضد العنصرية والعداء المتزايد ضد العرب، لما كانت موجة العنصرية التي نعيشها اليوم وصلت إلى هذا المستوى المتصاعد. نظراً لأن بعض الأتراك يمكن أن ينسوا أن هناك مجتمعاً عربياً محلياً في تركيا يبلغ عدده حوالي 2-3 ملايين نسمة.

لقد فضل عرب تركيا العيش بهدوء دون مطالب سياسية، وانطلاقاً من ذلك، يجب زيادة دعم هذا المجتمع العربي المحلي وتعزيز روابطه مع لغته وثقافته. وبالتالي يمكنهم على المدى البعيد المساهمة بشكل أكبر في تعافي الأزمات والتقارب بين الأتراك والعرب .

كما يجب على الأكاديميين والمفكرين الأتراك من أصول عربية، والمنحدرين من الولايات الجنوبية، أن يحملوا على عاتقهم المزيد من المسؤولية. بينما يترتب على السوريين في تركيا أيضاً أن يشرحوا للمجتمع التركي بشكل متزايد أنهم ليسوا تهديداً لهم بل هم إمكانية وفرصة. 

على الرغم من كل الاضطرابات والعراقيل، ما زالت أمل أن أرى جهود تركيا التي بذلتها على مدى السنوات الـ13 الماضية لن تضيع سدى، وستصل إلى نقطة إيجابية.

إن الدولة القومية بطبيعتها تقوم على تهميش جيرانها، وتخلق عدداً من الحواجز بين المجتمعات. على عكس من ذلك، ساهم موقف تركيا بكونها صديقة للشعوب في فترة الثورات العربية على كسر تلك الحواجز، ولكن هذه ليست قاعدة نستطيع الاستناد إليها لتنقلنا على نحو تلقائي إلى مرحلة أكثر إيجابية. لذلك، يحتاج الجميع إلى بذل مزيد من الجهد للوصول إلى آفاق مستقبلية متفائلة من خلال تكثيف الأفكار المشتركة وإنتاجها في مجتمعاتنا.

في نهاية الأمر، مقاطع الفيديو المسيئة التي نراها على مواقع التواصل الاجتماعي يجب أن تجعلنا أكثر رغبة وإصراراً لتعزيز التقارب بين المجتمع التركي والعربي بدلاً من أن نقف مكتوفي الأيدي متراجعين عن حل هذه القضايا.

عن الكاتب

محمد ألغان

برلماني تركي سابق عن حزب العدالة والتنمية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس