د. سمير صالحة - ترك برس

لن يكون سهلاً على تركيا، مثلها مثل الكثير من العواصم العربية والإقليمية، تحديد خياراتها بين دعم "طوفان الأقصى" الذي أطلقته حركة حماس فجر السبت المنصرم في غلاف غزّة، وبين تجاهل "السيوف الحديدية" في معركة الردّ الإسرائيلي الذي حوّلته تل أبيب إلى حرب تدمير وحصار شامل للمدينة.

نسفت التطوّرات العسكرية والأمنيّة في غزّة وجوارها كلّ حسابات أنقرة الإسرائيلية على خطّ التطبيع، وهي قد تعيدها إلى نقطة الانطلاق إذا ما استمرّ هذان التوتّر والتصعيد الميدانيّ واتّسعت رقعتهما لتشمل جبهات جديدة.

قناعة الغالبية الشعبية والإعلامية وحتى السياسية في تركيا هي أنّ القيادات الإسرائيلية في "طوفان الغضب" تدفع ثمن رهانها على معادلة أنّ نجاحها في دبلوماسية الانفتاح على أنقرة والعواصم العربية وتسجيل اختراقات سياسية في مسار التطبيع سيعطيانها ما تريد، وسيقودان إلى عزل وإضعاف الفلسطينيين أكثر فأكثر، وأنّ تل أبيب تتحمّل مسؤولية إساءة التقدير وعدم استغلال الفرص والاستقواء بآلتها العسكرية لتسقط حقوق الشعب الفلسطيني ومطالبه، وأنّها تجاهلت الوضع في غزّة وحاولت الاستفادة من الانقسامات في الساحة الفلسطينية ودعم استمرارها لتشتيت وتفتيت الموقف الفلسطيني في الأراضي المحتلّة.

لكنّ الموقف التركي الرسمي حيال ما يدور في غزّة يتمحور حول عدّة نقاط أساسية ترى أنقرة أنّ من الممكن البناء عليها في التهدئة والحوار بين الطرفين المتنازعين:

- المسألة الفلسطينية تقع في صلب كلّ المشاكل في المنطقة.

- الابتعاد عن أيّ خطوات من شأنها تصعيد التوتّر.

- تجنّب توسيع رقعة القتال ونقله إلى جبهات جديدة.

- تكثيف الجهود الدبلوماسية من أجل العودة إلى التهدئة.

- الجميع يدفع ثمن تأخير تأسيس العدالة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

لقاء أردوغان – نتانياهو

كان إردوغان يجتمع قبل أيام برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ويردّد أنّ تركيا تتطلّع إلى التعاون والتنسيق مع إسرائيل في موضوع التنقيب عن الطاقة ونقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا.

كانت الأنظار مشدودة نحو زيارة نتانياهو لأنقرة في تشرين الأول أو تشرين الثاني المقبلين، لبحث هذه المسائل إلى جانب ملفّات أخرى ثنائية وإقليمية تتضمّن تفعيل وساطة تركية بين تل أبيب و"حماس" بعد الزيارات التي قام بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" إسماعيل هنية لتركيا، والاجتماع الثلاثي الذي عُقد برئاسة إردوغان في العاصمة أنقرة في أواخر تموز المنصرم.

لكن فجأة تقلب "حماس" حسابات أنقرة رأساً على عقب وتختار طريق الردّ والمواجهة مع إسرائيل بسبب انتهاكاتها في المسجد الأقصى وتصعيدها ضدّ الفلسطينيين في الأراضي المحتلّة.

فلماذا تغامر "حماس" على هذا النحو وتطلق عملية واسعة من هذا النوع؟

كلّما تعقّد المشهد في غزّة وطالت الأزمة، كان ذلك على حساب أنقرة ومصالحها الإقليمية ومنظومة العلاقات الجديدة التي بدأتها في العامين الأخيرين.

الشقّ الإقليمي في عملية "حماس" لا يمكن إغفاله حتى لو قدّمت الحركة مسألة الردّ على الاعتداءات والاستفزازات الإسرائيلية تبريراً لتنفيذها. وهذا بين ما يقلق أنقرة أيضاً.

من حقّ "حماس" أن تواجه المحتلّ الإسرائيلي، لكنّ التفجير الحاصل على هذا النحو يحمل معه تساؤلاً: هل يعرقل ما يجري مسار التقارب التركي الإسرائيلي الأخير ويخدم مصالح المتضرّرين منه لأنّه سيقلب حساباتهم في ملفّات إقليمية رأساً على عقب؟

كيف ستتصرّف أنقرة إذا ما ذهبت الأمور نحو التعقيد وتحوّلت إلى مواجهة إيرانية - إسرائيلية عبر وكلاء في سوريا ولبنان يرفدها حلفاء إيران في العراق، وتدخّلت واشنطن كطرف أطلسي وليس أميركي عند استهداف قطعها البحرية الموجودة في المتوسط أو الخليج من قبل القوات الإيرانية؟

لو لم يكن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد أعطى الأوامر قبل أشهر بتحسين العلاقة مع تل أبيب واستقبل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في أنقرة في مطلع آذار 2022 على طريق تحسين العلاقات ورفع مستوى التطبيع... ربّما كان موضوع تعامله مع الوضع القائم أسهل بكثير.

لكنّ مشكلة الرئيس التركي في التعامل مع الانفجار الأمني الأخير في غزّة وحدودها، هي وجوده اليوم بين ما قاله وردّده أكثر من مرّة من أنّ فلسطين تتعرّض منذ عقود لظلم إسرائيل واضطهادها، ورسالته المباشرة لنتانياهو في مطلع نيسان  2018 التي قال فيها: "نتانياهو، أنت المحتلّ، والاحتلال على هذه الأراضي هو أنت، لكن في الوقت نفسه أنت إرهابي أيضاً".

وساطة أنقرة... لمنع العملية البريّة

يجد إردوغان نفسه اليوم وهو يحذّر إسرائيل من شنّ هجوم "عشوائي" على قطاع غزّة، "لأنّ استهداف سكّان المدينة بهذه الطريقة لن يؤدّي إلا إلى زيادة المعاناة وتأجيج دوّامة العنف في المنطقة". لكنّه في الوقت نفسه يدعو في اتصال هاتفي مع نظيره الإسرائيلي إلى ضرورة التحلّي بالصبر وإفساح المجال أمام الجهود التركية المبذولة من أجل التهدئة، ويعلن استعداد أنقرة للتنسيق مع العواصم الفاعلة للحؤول دون اتساع رقعة المعارك وتحوّلها إلى عملية برّية إسرائيلية باتجاه داخل غزة.

كيف سيوازن الرئيس التركي بين مواقفه السابقة من إسرائيل وسياساتها وبين المرحلة الجديدة من العلاقة مع تل أبيب التي بدأت؟

لا يمكن أن يكون الموقف التركي أقلّ من الموقف الروسي والإيراني والكوري الشمالي بعد هذه الساعة.

هدف أنقرة الأوّل هو وضع استراتيجية مشتركة مع العديد من العواصم العربية والإسلامية لوقف إطلاق النار والحؤول دون تفجير إقليمي أوسع وتفعيل وساطة تقود إلى تخفيف التوتّر والشروع في تسهيل تبادل الأسرى والسجناء ليكون مقدّمة لاتفاق سياسي أوسع بين الجانبين.

التنسيق التركي في هذه المرحلة هو مع مصر والسعودية والإمارات وقطر لإنجاز هذا الاختراق، فهل تسمح طهران واللاعب الأميركي بذلك؟

التحرّك العسكري الأميركي السريع باتجاه شرق المتوسط على طريق دعم إسرائيل، قابلته مواقف روسية صينية منفتحة على الجانب الفلسطيني. هل تتوقّف الأمور عند هذه النقطة أم يواكبها المزيد من التصعيد والتوتّر بين واشنطن وموسكو؟ هذا من بين ما يقلق أنقرة أيضاً.

هناك مسألة العلاقة بين السلطة الفلسطينية في الضفّة الغربية وبين "حماس" في غزّة. كيف سيكون شكلها في المرحلة المقبلة في ضوء التطوّرات الميدانية والأمنية؟ هل يتحرّك الشارع الفلسطيني في بقية المدن المحتلّة ويبدأ انتفاضة شعبية جديدة تضامناً مع غزّة ومن أجل تخفيف الضغط عليها؟ أم تتقدّم الأمور باتجاه آخر يباعد أكثر بين الطرفين الفلسطينيَّين ويصعّب جهود الوساطات التركية والعربية؟

مسؤولية نتانياهو.. والاستفزاز اليهودي

يتحمّل نتانياهو مسؤولية كبيرة في إيصال الأمور إلى هذه الدرجة من التعقيد في غزّة والضفّة الغربية والقدس: من تضييق الخناق أكثر فأكثر على القطاع، إلى فتح الطريق أمام استفزازات الحركات العنصرية اليهودية في الأقصى الشريف، وتجاهل جهود وعروض التسوية العربية والإقليمية. كان إردوغان سيحاول إقناعه بالانفتاح على خطة حوار سياسي فلسطيني - إسرائيلي جديد خلال زيارته لأنقرة بعد أسابيع بالتنسيق مع عواصم عربية فاعلة. فهل تراجعت حظوظ الرئيس التركي وفرصه بعد اشتعال جبهات غزّة؟

بقدر ما ستبحث أنقرة عمّا ستجنيه من تفجير وتصعيد على هذا النحو أو عن فرصها في إقناع طرفَي النزاع بالتهدئة والابتعاد عن توسيع رقعة جبهات القتال وتمدّدها، ستبحث أيضاً عن المستفيد من محاولة إضعافها من خلال فرض حالة صعبة وحرجة من هذا النوع عليها.

كانت أنقرة تسعى إلى التقريب بين الفصائل الفلسطينية في الأراضي المحتلّة. وكانت تحاول إقناع "حماس" بتغيير سياساتها واعتماد أسلوب جديد في المقاومة بعيداً عن لغة السلاح يُخرجها من ورطة نظرة الغرب والعديد من العواصم العربية إليها. لكنّ خيار "حماس" فاجأها لناحية التوقيت والتخطيط وقرار الذهاب باتجاه آخر. الأخطر من ذلك أنّه كلّما تعقّد المشهد على جبهات غزّة وجدت القيادة السياسية التركية صعوبة في الدخول على خطّ الوساطة والتهدئة وارتفع منسوب أن تتعرّض للخطر مصالح أنقرة وعلاقاتها التي بنتها في العامين الأخيرين مع دول الإقليم وسط معادلات دقيقة وحسّاسة.

الكرة في ساحة اللاعبين الإقليميين والدوليين المؤثّرين أيضاً لتحويل التصعيد إلى فرصة لإنهاء صراع مزمن، لكنّ قبل كلّ شيء، كما يقول آري شبيت في "هآرتس" تحت عنوان "إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة"، فإنّ "القوة الوحيدة في العالم القادرة على إنقاذ "إسرائيل" من نفسها هم "الإسرائيليون" أنفسهم، وذلك بابتداع لغة سياسية جديدة تعترف بالواقع وبأنّ الفلسطينيين متجذّرون في هذه الأرض".

خلاصة القول، وشبيت هو الذي يواصل هنا: "يبدو أنّنا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حلّ معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال".

عن الكاتب

د. سمير صالحة

البرفسور الدكتور سمير صالحة هو أكاديمي تركي والعميد المؤسس لكلية القانون في جامعة غازي عنتاب وأستاذ مادتي القانون الدولي العام والعلاقات الدولية في جامعة كوجالي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس