مسلم أبوسن - خاص ترك برس

تاريخ "السياسة بين الأمم والصراع من أجل القوة" كان قد رصد أشكالاً مختلفة من الصراع بين تركيا وإيران وقد أُريق الكثير من الحبر في وصف المنافسة الدائمة بينهما، وهي منافسة يفترض أنها ترتبط بإرث لا يمكن تجاوزه من العداء بين الدولتين العثمانية والصفوية، أو بشكل أقل إقناعًا، الانقسام بين السنة والشيعة الذي يجتاح المنطقة هذه الأيام.

وتقلل التحليلات التي تسقط التاريخ على السياسة العالمية المعاصرة من شأن التغيرات الأساسية التي شهدها القرن الماضي حين قامت الحروب المتعاقبة بين الدولتين وأبرمت المعاهدات لتثبيت حدود البلدين واعتراف كل منهما بالآخر حامياً لأحد المذاهب الإسلامية "السلطنة العثمانية للسنة وإيران للشيعة"، وهو الأمر الذى جرى تثبيته فى معاهدات كثيرة بين البلدين.

وقد بدأ الصراع بين المشروعين، "الصفوي" الإيراني من جهة و"العثماني" التركى من جهة أخرى، حينما عمد السلطان إسماعيل الصفوى إلى إعلان تشيع إيران فى بدايات القرن السادس عشر الميلادي، وهى السنية فى أغلبها وقتذاك، وذلك لتدعيم قدراتها الصراعية مع تركيا بالروافد المذهبية ولم يكتف الصفويون بتغيير المذهب فقط، بل ذهب خيالهم إلى أبعد من ذلك بكثير حتى وصل إلى رمزية العلم الإيراني وتصميمه عبر تبني "الشمس" و"الأسد" رمزاً لإيران وعلمها.

وكان اختيار الشاه الصفوى للشمس يرجع إلى هدف سياسى عميق، مفاده تطعيم التصادم الإقليمي والمذهبي بالبعد الرمزي أيضاً، فالشمس الفارسية كانت نقيضاً رمزياً وبصرياً للقمر الذى زين علم السلطنة العثمانية، ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم أصبح هناك بعد عقائدي للصراع على النفوذ فى المنطقة بين الدولة الإيرانية الشيعية والدولة التركية السنية.

ولا شك أن التجاور الجغرافي والتنافس التاريخي بين البلدين الكبيرين أنتج فضاءاً وهامشاً للتنافس والتعاون فى آنٍ معاً، لذلك تتنافس أنقرة مع طهران، مثلما تتعاونان، لكن ضمن شروط موضوعية وقواعد لعب محددة. والصراع بين تركيا وإيران يبدو، منذ خمسة قرون حتى الآن، صيرورة تاريخية، يغذيها ويستدعيها الفراغ العربى فى المنطقة.

وفى عام 2003 دخلت العلاقات الإيرانية التركية مفترقاً حاسماً بعد احتلال العراق، وساهم الاحتلال فى تبدل موازين القوى الإقليمية لصالح إيران بشكل جعل المصالح التركية عرضة للخطر نتيجة الطموحات القومية الكردية ومخاطر امتدادها إلى جنوب شرق الأناضول ذو الأكثرية الكردية، كما أدى احتلال العراق إلى إعادة توزيع لموازين القوى الإقليمية عموماً وبين إيران وتركيا بصفة خاصة، وبالتالي استقرت العلاقات بين إيران وتركيا في العقد الماضي بشأن ثلاثة مواضيع ذات اهتمام مشترك: التعاملات الاقتصادية، ورفض انفصال كردستان، وإلى حد أقل، دعم قيام دولة فلسطينية.

وعلى الرغم من المنافسة والخلافات فيما بين الطرفين، وخصوصًا حول سوريا وآسيا الوسطى وعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، فقد ساهمت هذه المواضيع الثلاثة في استمرار العلاقات الودية، تخللها موجات من التنافس الشديد بين البلدين. في عام 2002 ومع اعتلاء حزب العدالة والتنمية سدة الحكم تغيرت الديناميكيات بشكل كبير.

كانت إيران قد عرفت وبشكل أكثر وضوحًا بروزًا من قبل الجيل الأول من الإسلاميين الذين تولوا السلطة في تركيا والذين قاموا بإعادة توجيه السياسة الخارجية التركية بشكل أكبر نحو غرب آسيا وشمال إفريقيا، ومنهم نجم الدين أربكان، والذي جاء إلى السلطة في عام 1996 كأول رئيس وزراء للبلاد يحمل قناعات إسلامية، حيث اختار إيران كأول محطة في زياراته الخارجية، وهو ما شكّل إهانة كبيرة للنخبة المؤيدة للغرب في بلاده.

كانت هذه النخبة ترى أن الجمهورية الإسلامية تمثل كل شيء يجب ألا تكونه تركيا (زار أربكان إيران مرة أخرى في عام 2009 بعد حظر طويل على مشاركته في الحياة السياسية التركية امتد 11 عامًا). وبينما كان في طهران في يوليو/ تموز عام 1996، أنجز أربكان صفقة بقيمة 23 مليار دولار لتوصيل الغاز الطبيعي من إيران لمدة تزيد عن 25 عامًا. وقام أيضًا مع إيران بتسهيل إنشاء ما يُسمى مجموعة الثماني النامية (D-8) والتي ضمت أيضًا ماليزيا وإندونيسيا ومصر وبنغلاديش وباكستان ونيجيريا.

ولكن قاعدة نفوذ أربكان لم تكن صلبة بما يكفي لمقاومة المعارضة من النخبة المعادية للإسلاميين، ولاسيما العلمانيين من الرتب العليا في الجيش التركي الذين يتمتعون بالولاية الدستورية للحفاظ على النظام الكمالي في البلاد. وفي عام 1998، وتحت ضغط من الجيش، أعلنت المحاكم التركية عدم مشروعية حزب الرفاه الذي يتزعمه أربكان وأرغموه على ترك منصبه، ومن جديد قامت المجموعة الأساسية في الحزب بإعادة تنظيم نفسها تحت راية حزب العدالة والتنمية، والذي فاز في الانتخابات البرلمانية في عام 2002 وشكّل بناء على ذلك الحكومة التركية، ومنذ ذلك الوقت استقرت العلاقات التركية الإيرانية لكنها لا تخلو من بعض المزالق أحيانًا.

وهناك من يدلل على العمق الجديد في العلاقات التركية الإيرانية اذ أن البلدين يتعاونان أيضًا في مجال الأمن الوطني ولكن حتى وإن بقيت العلاقات براغماتية وقائمة على تحقيق مكاسب اقتصادية على المدى القصير وعلى المناورات التكتيكية، سيكون من غير المرجح أن تثق تركيا وإيران يبعضهما البعض بما يكفي للتعاون بشأن المسائل الداخلية ذات الآثار الأمنية العابرة للحدود مثل قضية انفصال الأكراد، رغم أن التقدم على هذه الجبهة تحقق خلال زيارة رئيس الوزراء أردوغان إلى طهران في يوليو/تموز 2004، حين وقّعت تركيا وإيران اتفاقًا للتعاون الأمني ووصفتا حزب العمال الكردستاني بأنه منظمة إرهابية.

ومنذ ذلك الحين، كثفت الدولتان التعاون بينهما لحماية حدودهما، فعلى شاكلة تركيا، تواجه إيران مشاكل أمنية في المناطق التي يقطن فيها الأكراد؛ فعلى مدى السنوات الماضية، قام حزب "الحياة الحرة" وهو جماعة إيرانية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني وينشط في كردستان الإيرانية، بشن هجمات على مسئولين أمنيين إيرانيين، وردّت طهران بقصف قواعد حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل بتنسيق وثيق مع الجيش التركي.

وعلى الأقل حتى انطلاق الانتفاضة في سوريا في عام 2011، قامت إيران أيضًا بالمساهمة في تحسين العلاقات السورية التركية والتي كانت قد توترت في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وقد وصلت حد الأزمة في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1998 عندما هددت تركيا بغزو سوريا إذا لم تتوقف دمشق عن دعم حزب العمال الكردستاني وفي مواجهة التفوق العسكري الساحق لتركيا، خضعت دمشق وقامت بطرد زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان بعد أن كانت قد منحته ملاذًا آمنًا، وأغلقت معسكرات تدريب الحزب.

هذا التحول في السياسة السورية فتح الطريق أمام تحسن تدريجي في العلاقات بين البلدين وقد برز هذا التقارب من خلال زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى أنقرة في يناير/ كانون الثاني 2005 وكانت أول رحلة يقوم بها رئيس سوري إلى تركيا منذ استقلال سورية في عام 1946. وعلى الرغم من دعم تركيا للمعارضة المناهضة لحكم الأسد، مما يضعها في مواجهة مباشرة مع سياسات إيران، فإن من المستغرب أن هذا التنافس على سوريا لم يقوض المعالم الأساسية في العلاقات الإيرانية التركية.

مما لا شك فيه، أن تركيا قامت بدور فعال في تيسير حركة المعارضة لحكم بشار الأسد، وتضامنت مع المملكة العربية السعودية وقطر في هذا الصدد كما تتعاون الآن في اليمن فقد كان حزب العدالة والتنمية حذراً في تعاطيه مع الأزمة السورية، وعازمًا على طمأنة إيران بأن تركيا لا تتصرف بالنيابة عن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في معارضة النظام السوري.

ربما في الوقت الحاضر قد يكون تضارب السياسات بين تركيا وإيران حول اليمن وقبله سوريا والعراق قد وضع نهاية لعقد من التواصل العميق بين تركيا وإيران ووضع القيود على تنمية علاقات أوثق في المستقبل. ومع ذلك تم احتواء آثار هذا التضارب، فلم يحصل أي تبادل للاتهامات حول دوافع كل منهما في اليمن كما حدث في الحالة السورية من قبل.

ورغم الانتقادات التي وجهها الرئيس التركي "أردوغان" بشدة للدعم الإيراني للحوثين وقوله صراحة بأن هذا يزعج تركيا ولا يمكن تحمله بل وأبدى استعداده لدعم العملية العسكرية "عاصفة الحزم" الا أننا لم نسمع ردا من الجانب الإيراني يحمل اتهامات مماثلة لتركيا، وهذا في حد ذاته مؤشر على أن كلا البلدين ليس على استعداد لتعريض العلاقات الثنائية للخطر، حتى على خلفية قضية مثيرة للقلق مثل احتمالية اندلاع الحرب الأهلية في اليمن وعلى خلفية انطلاقة عملية "عاصفة الحزم" التي شنتها قوات تحالف خليجية عربية وإقليمية بقيادة المملكة العربية السعودية للإطاحة بانقلاب الحوثيين المدعومين من ايران، كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد عبر عن تأييده لعملية "عاصفة الحزم" التي قال بأن تركيا أبلغت بها مسبقا، وصرح بدعم تركيا للعملية العسكرية التي شرعت بها الدول العربية بقيادة المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين في اليمن تلبيةً لطلب من رئيس الجمهورية اليمنية عبد ربه منصور هادي" بحسب تصريحاته لقناة "فرانس 24" التي نقلها التلفزيون التركي الرسمي.

وانتقد الرئيس التركي، يوم الخميس، بشدة أنشطة إيران في اليمن وقال وفق ما أوردت وكالة أنباء الأناضول "إن إيران تبذل جهودا للهيمنة على المنطقة كيف يمكن التسامح مع ذلك؟"، ودعا إيران إلى "سحب كافة قواتها من اليمن وسوريا والعراق"، وتابع أردوغان "على إيران أن تغير عقليتها، الممارسات الإيرانية في المنطقة تجاوزت حدود الصبر فهي تزعجنا وتزعج المملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج وإن هذه السلوكيات أثارت تململا لدى السعوديين وأكد أردوغان أن تركيا قد تفكر "في تقديم دعم لوجستي بهذا الصدد" مؤكدا على "ضرورة انسحاب الحوثيين الشيعة وتنظيم القاعدة والجماعات الإرهابية الأخرى من اليمن"، مشيراً إلى أن الأمر هو كذلك بالنسبة لإيران أيضاً، وانتقد تصعيد نشاط إيران في العراق، وقال "إن طهران تسعى إلى طرد تنظيم داعش الإرهابي من المنطقة لكي تحل هي في محله".

وفي اتصال هاتفي لأردوغان مع العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود، أوضح أنه يتابع التطورات الجارية في اليمن، معربًا عن قلقه البالغ من انتهاك المسلحين الحوثيين للاتفاقات التي أبرمها اليمن ولقرار مجلس الأمن الدولي التي لم تكن وليدة اللحظة، فقد جاءت بعد صبر طويل وعملية سياسية خليجية وعربية ودولية طويلة ومعقدة، أوصلها الحوثيون وحليفهم المخلوع علي عبد الله صالح وحلفاؤهم الإقليميون إلى طريق مسدود.

ويذكر أن دول الخليج سعت دوما لمنع انزلاق اليمن إلى حرب أهلية، وقدمت المبادرة الخليجية ورعت الحوار اليمني وصولا إلى حل سياسي تم تدويله وأشرفت عليه الأمم المتحدة في وقت قام فيه الحوثيون بالاستيلاء على السلطة والعاصمة صنعاء وحصارهم للرئيس الشرعي منصور هادي ورئيس الوزراء وقد منحوا الحوثيين الفرصة تلو الفرصة لإعادة الأمور إلى نصابها وللعودة لطاولة الحوار ولكنهم رفضوا ذلك، "فكان لزاما على الدول الخليجية والعربية دعم الشرعية بما استطاعت من قوة حتى لا يظن كل فريق أنه قادر على اغتصاب السلطة والاستئثار بها مستغلا سلمية تحركات الجماهير".

ووفقا للمعلومات الواردة من مصادر في رئاسة الجمهورية، فإن الرئيس التركي أكّد للعاهل السعودي، أن المجتمع الدولي يشعر بالقلق من المواقف والخطوات التي تهدد أمن واستقرار المنطقة، ووحدة اليمن وسلامته وأضافت المصادر، أن العاهل السعودي قدم شكره للرئيس التركي على اهتمامه البالغ، ورسالة الدعم التي قدمها في هذا الصدد، وأطلعه على سير العمليات الجوية التي تجريها دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية، ضد حركة أنصار الله "الحوثيين" في اليمن، استجابة لطلب تقدم به الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، إلى العاهل السعودي.

وفي تعقيب من وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، على تصريحات الرئيس التركي بشأن تأييده ودعمه للعملية العسكرية "إن جميع الدول يجب أن تعمل في الظروف الحالية على إرساء الاستقرار والحد من انتشار التدهور الأمني" بحسب ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الجمعة، عن ظريف الذي يرأس وفد بلاده المفاوض.

ولم يغفل ظريف وزير خارجية إيران عن التذكير بالقول بأن بلاده تعير "أهمية واحتراما كبيرين لعلاقة بلاده الاستراتيجية مع تركيا في شتى المجالات" وفي هذا ربما أراد ان يلمح إلى تهدئة تركيا إن لم يكن بالمستطاع معارضة وانتقاد مشاركتها في العملية فضلا عن تحييدها.

وقد التقت تصريحات البلدين حول أهمية الحوار وعودة الاستقرار لليمن والمنطقة، وكان الاضطرابات التي اجتاحت المنطقة، لاسيما بعد الثورات العربية، قد أظهرت كثيراً من الاختلافات بين البلدين إلا أنّهما احتفظا بعلاقات ودية تتخللها هبّات عرضية من التأزم الذي يتم احتواؤه والتخفيف من حدته بسرعة من خلال القنوات الدبلوماسية.

والواقع يشير إلى أن الأزمة اليمنية  مهما تصاعدت وتطورت لا يمكن ان تنقل العلاقات بين البلدين التي تتسم  بالخصومة والشك الى مرحلة العداء والحرب فمن الناحية التحليلية ، فإن هذا الميل نحو اللغة الدبلوماسية من الجانبين بدلاً من خطاب مفعم بالتهديدات يظهر ويشير بقوة إلى أن هناك توافقًا استراتيجيًا بين النخبة السياسية الحاكمة حاليًا في كلا البلدين على أن عليهما التصرف كجيران وعدم تعريض علاقاتهما للخطر، حتى عندما يتعلق الأمر بالقضايا الأكثر جدلاً مثل قضية حوثيي اليمن ودعم تركيا الصريح للعملية العسكرية "عاصفة الحزم" فضلا عن لبنان وسوريا والعراق.

ومن نواح كثيرة فإن تركيا وإيران متداخلتان مترابطتان بشكل يصعب معه الفصل بينهما أو اتخاذ أي منهما مواقف عدائية ضد الآخر، وهذا التداخل لا يتضح فقط عندما يتعلق الأمر بالمخاوف الأمنية المتبادلة والناجمة حتميًا عن الحدود المشتركة، بل يكمن أيضًا في النسيج الثقافي الذي يمسك بجدلية العلاقة الإيرانية لتركية ويمنعها من أن تتفكك.

عن الكاتب

مسلم أبوسن

باحث متخصص في الشؤون التركية


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس