إبراهيم كيراس – صحيفة ستار – ترجمة وتحرير ترك برس

الربيع العربي هزّت الدعائم الاساسيّة التي ترتكز عليها سياسات الشرق الأوسط. لكن هذه الهزة لم تستطع إسقاط هذه السياسات بشكل نهائي. وتتمتّتع هذه السّياسات بميّزتين هامّتين. فالقائمون على أمور السياسة في منطقة الشّرق الأوسط يتّبعون سياسة الضغط والتخويف للحفاظ على مكانتهم القياديّة. بينما تراهم يتعاونون ويتّبعون سياسة اللين مع الخارج. وهذا ما أدّى بطبيعة الحال إلى نوع من عدم الرضى سواءً على الصعيد الدّاخلي والخارجي.

إنّ الأنظمة الديكتاتوريّة في الشّرق الأوسط، يحاولون كسب ودّ الدّول العظمى كي يستطيعو البقاء في السلطة. ولكي يضمنوا الدّعم الخارجي، يقوم هؤلاء بإعطاء الضّمانات الإقتضاديّة وإبرام العقود مع الدّول الإمبرياليّة. حيث تتصدّر الثروات النفطيّة قائمة هذه الضّمانات.

وبطبيعة الحال فإنّ الدول العظمى لا تكتفي بالضّمانات الإقتصاديّة، بل إنّ هذه الدّول تطلب المزيد من الضّمانات الإيديولوجيّة. فتراهم يطالبون الحكومات الديكتاتوريّة بتغيير الإيديولوجيا الإجتماعية تجاه هذه الدّول. وذلك من أجل ضمان إستمراريّة مصالحها في هذه المنطقة لفترة أطول.

ربّما يتسائل البعض: من أين خطر لك هذه الفكرة كي تكتبها الأن؟

لقد قرات قبل عدة أيام في صحيفة إنكليزيّة، تصريحاً لاحد وزراء حكومة الإنقلاب التي أطاحة بالنّظام الشّرعي للإخوان المسلمين في مصر. حيث قال هذا الوزير بانّ الميليشيّات الإسلامية في ليبيا على وشك السيطرة على مناجم النفط في هذا البلد. ولم يكتفي هذا الوزير بهذا، بل وصف جماعة الإخوان الذين وصلوا للحكم عن طريق الإنتخابات الشّرعية بالإرهابيين. ومن هنا أيقنت أن هؤلاء الحكّام يتّبعون سياسة العنف للدّاخل، بينما تجدهم ليّنين امام الخارج.

مع العلم أن الحكومة المصريّة الحاليّة تدعم الجماعات السلفيّة في سوريا وليبيا وغيرها من البلدان التي تشهد إضطرابات داخلية. كما أنّ الجماعات المتشدّدة كانت تقف وراء الإنقلاب العسكري الذي أطاح بنظام الإخوان المعتدل في مصر.

غريب أمر هذه الجماعات. فبعد الثورة التونسيّة التي أطاحت بالنظام العلماني لزين العابدين بن علي، قامت السعوديّة بإحتضان هذا الرجل. ومن المعروف أنّ النظام في السعوديّة نظام قائم على أساس الشّريعة. فكيف لها أن تحتضن علماً من أعلام العلمانيّة؟

فهذا يعني أنّ الأنظمة الحاكمة في هذه المنطقة سواءً كانت أنظمة علمانية أو أنظمة قائمة على أساس الشريعة، تلقى من الدّعم والرّعاية من الغرب ما دامت تخدم مصالحها في المنطقة.

أمّا نحن في تركيا، فقد قطعنا شوطاً كبيراً فيما يخصّ موضوع العلمانيّة بعدما عانينا الويلات بسبب النّقاشات التي أدّت إلى صراعات من أجل هذه المفهوم. لكننا نرى أنّ دول الجوار قد بدأت حديثاً في هذه الحوارات والصّراعات حول مفهوم العلمانيّة والسّلفيّة.

لقد أصبح إستخدام مفهوم العلمانيّة شائعاً في منطقة الشرق الأوسط. حيث أنّنا نرى أن تنظيمي ( PKK ) و (PYD ) لا يهملون إستغلال هذا المفهوم في حملتهم التي تهدف لجذب القوى العالميةإلى جانبهم في حربهم ضدّ تنظيم الدّولة الاسلامية في بلدة كوباني السورية.

فمن السّهل لأي تنظيم أو مؤسّسة أن تناشد وتستغل مفهوم العلمانيّة وتكسب ودّ الدّول الإمبرياليّة أمام الأعمال الوحشيّة التي يقوم بها تنظيم الدّولة الاسلامية.

تنظيم بي كا كا الإرهابي لم يتردّد في إستخدام ورقة العلمانية في الدّاخل التركي أيضاً. خاصّةً وأنّهم يحاولون كسب ودّ الغرب من خلال إظهار أنفسهم على أنّهم المنظّمة العلمانيّة في تركيا، مستغلّين بذلك إستياء بعض الدّول الغربيّة من سياسات حزب العدالة والتنمية الميّالة للإسلام والمسلمين. وإنّ هذه المحاولة من هذا التنظيم ليست بفكرة غبيّة، لأن تجّارالعلمانيّة كثر في الغرب.

مقابل كل هذا، فإنّنا لا نستطيع ان نقول بانّ تنظيم بي كا كا معروف من قبل الجميع ولا أحد يعتمد أو يثق بهؤلاء. لأنّنا نرى في الأونة الأخيرة أنّ هناك تعاظم في الكراهية ضدّ المسلمين وخاصّة الأتراك منهم لدى الرأي العام الغربي. فإنّ تركيا تمرّ بمرحلة فيها الأعداء كثر والأصدقاء قلّة.

لكن هذه الكراهية لا تعني أن ننأ بنفسنا وننسحب جانباً ونقول بأن العالم لا يلقي بالاً لمقترحانتا وأفكارنا. بل علينا أن نجد الحلول المناسبة للمشاكل الرّاهنة وعلينا أيضاً أن نبحث عن أصدقاء أوفياء نقنعهم بافكارنا ومقترحاتنا.

عن الكاتب

إبراهيم كيراس

كاتب في صحيفة ستار


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس