محمود عثمان - تلفزيون سوريا

الهجوم المفاجئ والاختراق المباغت لكتائب القسام الذراع العسكرية لحركة حماس على مناطق غلاف غزة، وأسر عدد كبير من الإسرائيليين، شكَّل مفاجأة استراتيجية وتحولًّا جوهريًّا على طبيعة العمل العسكري لفصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة، وكشف عجزاً استخبارياً واضحاً لدى الطرف الإسرائيلي (وحتى الأميركي)، الذي كان يتباهى بمنظومته العسكرية والاستخبارية التي لا تقهر.

التحولات الاستراتيجية الكبرى في منطقة الشرق الأوسط

شكَّل مجيء المرشد الإيراني الخميني إلى طهران على متن طائرة فرنسية، وسقوط نظام الشاه في إيران، إشارة البداية لعملية هندسة جيوسياسية بدأتها الولايات المتحدة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. فما إن ثبّت نظام الملالي أركان نظامه الجديد، بعد سلسلة طويلة من التصفيات والإعدامات، حتى بدأ بتصدير ثورته لدول الجوار، ما أدى إلى نشوب حرب ضروس مع العراق استمرت لأكثر من ثماني سنوات، وكلفت المنطقة أكثر من 500 مليار دولار عدا الخسائر البشرية والمآسي الإنسانية.

بعد اضطرار الخميني لقبول إنهاء الحرب العراقية الإيرانية، أصبح لدى العراق فائض قوة باتت تشّكل مصدر قلق لإسرائيل وبعض دول المنطقة. فقامت الولايات المتحدة الأميركية باستدراج صدام حسين الذي بلع الطعم ووقع في الفخ الأميركي ضارباً عرض الحائط بجميع التحذيرات، فغزا الكويت ووقعت الكارثة.

عقب احتلال صدام للكويت، بادرت واشنطن إلى تشكيل تحالف دولي قوامه 32 دولة، شاركت فيه دول عربية عديدة في مقدمتها مصر ودول الخليج وسوريا، كان الهدف المعلن لهذا التحالف تحرير الكويت، وإعادة الأمور إلى نصابها. لكنه في المقابل كان يشكل خطوة أساسية، على صعيد إعادة تصميم ورسم خريطة منطقة الشرق الأوسط الجديد جيوسياسياً.

أدى تدمير العراق الذي كان يعتبر أحد أهم أركان العمق الاستراتيجي العربي، وتسليم الدولة العراقية لميليشيات متناحرة ذات طابع ديني أيديولوجي مدمر، وخروج مصر من المنظومة العربية نتيجة معاهدة كامب، وعجز مجلس التعاون الخليجي عن ملء الفراغ الاستراتيجي الكبير الذي تركه غياب مصر والعراق، وتحالف نظام الأسد مع إيران منذ الثمانينيات، ثم تهجير أكثر من نصف الشعب السوري، وسيطرة إيران على أربع عواصم عربية، إلى انهيار مفهوم الأمن القومي العربي، وسقوط نظرية الدفاع العربي المشترك، ولم يبق أمام الأنظمة العربية سوى توجيه بوصلتها باتجاه التطبيع مع تل أبيب.

كانت الانهيارات الاستراتيجية على صعيد الساحة العربية، تعني أن خطة موشيه شاريت وبن غوريون التي تقضي بتجزئة الوطن العربي كأحد أهم أركان التفكير الاستراتيجي الاستعماري الصهيوني، تأخذ طريقها إلى حيز التنفيذ. يقول بن غوريون:"إنّ عظمة إسرائيل ليست في قنبلتها الذرّية ولا ترسانتها المسلّحة، ولكن عظمة إسرائيل تكمن في انهيار دول ثلاث هي مصر والعراق وسوريا".. ويضيف "ليست العبرة في قيام إسرائيل بل في الحفاظ على وجودها وبقائها وهذا لن يتحقّق إلاّ بتفتيت سوريا ومصر والعراق".

ما زالت نظرية بن غوريون تشكّل الركن الثابت في استراتيجية الكيان الإسرائيلي وسياساته، وهي تفسر سبب إصرار نتنياهو على بقاء بشار الأسد على رأس الحكم في سوريا.

الأبعاد الاستراتيجية لعملية طوفان الأقصى 

صحيح أن هجوم حماس لم يكن متوقعاً، لكن أسبابه وإرهاصاته كانت حاضرة بقوة، حيث لم تدّخر حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة جهداً في استفزاز الفلسطينيين ودفعهم نحو الانفجار، من خلال حصار قطاع غزة، وقضم مزيد من أراضي الضفة الغربية، والاقتحام المستمر للمسجد الأقصى، حتى فقدت القضية الفلسطينية مركزيتها وخرجت من دائرة الاهتمام، بالتزامن مع موجة تطبيع عربي – إسرائيلي غير مسبوقة تشي بالقفز على الحقوق الفلسطينية وتجاوزها.

في الأثناء لم تقدّم إدارة الرئيس بايدن أي تصوّر أو مشروع جديد للتسوية السلمية، بل على النقيض من ذلك بدا واضحاً أنّها تسير على خطى إدارة الرئيس دونالد ترامب، فيما سمّي بصفقة القرن التي تقضي باستبدال مشروع السلام الإقليمي بالحل النهائي للقضية، واختزال القضية الفلسطينية، وحصرها في مسألة “تحسين حياة الفلسطينيين”، من دون منحهم أية حقوق سياسية أو إنسانية.

في ظل هذه الظروف المتشابكة، جاء هجوم حماس غير المسبوق على المستوطنات الإسرائيلية، ليحدث زلزالاً ضخماً ستكون له ارتداداته الكبيرة، ليس على صعيد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فحسب، إنما على صعيد التموضع الجيوسياسي والسياسات الإقليمية والدولية.

نتنياهو يبحث عمن ينزله من الشجرة وواشنطن عاجزة

تكمن معضلة القيادات السياسية الإسرائيلية في تبنيها سقف أهداف مرتفع جداً، معتدّة بقوتها العسكرية وغريزتها الانتقامية والدعم الغربي اللامحدود. لذا جاء رد حكومة نتنياهو على هجوم حماس رداً فوقياً عنجهياً مضطرباً، معتمداً على خطة من ثلاثة محاور.. الأول: تهجير أهل غزة إلى دول الجوار، والثاني: سحق حماس، والثالث: تحرير الرهائن.. الهدف الأول قوبل بموقف عربي قوي صارم متضافر، فقد رفضت كل من مصر والأردن والسعودية فكرة تهجير أهل غزة ولو مؤقتاً.. أما الهدف الثاني المتمثل بسحق حماس وتطهير غزة من المقاتلين، فهو هدف يبدو مستحيلاً، خصوصاً مع استبسال المدافعين الذي أفشل جميع المحاولات الإسرائيلية للاقتحام البري، وعِظَم الخسائر المدنية التي تسببت بها الهجمات الإسرائيلية. وأما هدف تحرير الرهائن من دون تفاوض، فقد عمّق مأزق تل أبيب العسكري، إذ تعلم إسرائيل أنه لا قواتها الخاصة ولا قوات الدلتا الأميركية، قادرة على تحرير الرهائن بالقوة، لأنها لا تملك المعلومات الاستخبارية الضرورية، كما تفتقر إلى عنصر المفاجأة.

لم يبق أمام نتنياهو سوى ارتكاب مزيد من المجازر، باستهداف المستشفيات والمدارس والمباني السكنية، وقتل ألوف المدنيين، والتدمير الأعمى للمرافق والموارد البشرية في غزة، من أجل كسر معنويات الفلسطينيين ودفعهم للاستسلام، مع العلم المسبق بأن إنجازات إسرائيل لا تقاس بعدد قتلى الفلسطينيين من المدنيين، ولا بمستوى الخراب الذي ألحقته بمرافق الحياة، بل ستقاس بمدى تحقيق الأهداف السياسية وهو ما يبدو بعيد المنال.

انعكاسات عملية طوفان الأقصى على مستقبل منطقة الشرق الأوسط

من المبكر لأوانه التكهن بما ستصير إليه الأمور في غزة. لكن من المؤكد أن هجوم حماس أدى إلى صدمة كبيرة في واشنطن وعواصم الاتحاد الأوروبي التي هبّت لنجدة إسرائيل، وسارعت إلى تقديم كل أشكال الدعم السياسي والعسكري، وحشد الأساطيل وحاملات الطائرات، وإنزال الجنود للمشاركة باجتياح غزة. مقابل ذلك ارتفعت وتيرة الغليان الشعبي في جميع أرجاء العالم، ضد وحشية العدوان الإسرائيلي، رافقها إدانات رسمية وشبه رسمية من شخصيات لها حضورها على الساحة الدولية، فقد دان الأمين العام للأمم المتحدة غوتيرش عدم السماح بإدخال المساعدات الإنسانية لغزة، وقامت العديد من الدول بسحب سفرائها من إسرائيل، واستقال العديد من الموظفين في وزارة الخارجية الأميركية احتجاجاً على الدعم الأميركي المطلق لإسرائيل، ولا تزال ردود الفعل الشعبية والرسمية في تصاعد مطَّرد. 

ما سبق يؤكد أن الكيان الإسرائيلي سوف يضطر إلى دفع ثمن سياسي معتبر هذه المرة. وتقديم تل أبيب (ومن ورائها واشنطن) تنازلات سياسية سوف تكون لها انعكاساتها الكبيرة ليس على مستقبل القضية الفلسطينية فحسب، بل على صعيد رسم مستقبل الشرق الأوسط كلّه.

عن الكاتب

محمود عثمان

كاتب سياسي مختص بالشأن التركي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس