عزام سعد - خاص ترك برس

بمجرد أن أسقطت تركيا المقاتلة الروسية، توقع البعض حدوث ردة فعل من قبل روسيا ردا على إسقاط طائرتها، اتهمت تركيا بالتسرع وبدأ المحللون العسكريون والاقتصاديون الحديث عن التبعات العسكرية والسياسية والاقتصادية لهذا الحادث، لكن تركيا وبلهجة حاسمة تحدثت عن أن سيادتها خط أحمر وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال التضحية بسيادة تركيا مهما كانت حجم التحديات، وهذا الموقف يدل دلالة واضحة على أن لتركيا سياستها وأولوياتها ومقارباتها الخاصة وأنها تعي تماما ماذا تريد وماذا يجب عليها أن تفعل، وعلى هذا الأساس كان قرار إسقاط الطائرة الروسية.

لا يمكن تفسير هذه الحادثة أن لتركيا الرغبة في الدخول في حرب مباشرة مع روسيا لأن تركيا تدرك أن معركة سوريا لن يحسمها سوى الثوار السوريون أنفسهم، وأن أي دور للدول الداعمة للثورة ينبغي أن يقتصر على إمداد الثوار بما يحتاجونه لحسم المعركة – بما في ذلك إيجاد منطقة آمنة لإيواء اللاجئين – وهذا ما يطلبه الثوار السوريون منذ بداية الثورة وباعتقادي أن هذه الفكرة تستند إلى حقائق التاريخ ومعطيات الجغرافيا ويصدقها الواقع.

مرت الثورة السورية بمنعطفات خطيرة في الأعوام الماضية لكنها استطاعت تجاوزها، لكن المنعطف الأخطر هو دخول روسيا على خط المواجهة المباشرة مع الثوار تحت مبرر محاربة تنظيم داعش، ولكنها ركزت معظم عملياتها على المعارضة المسلحة وخاصة في منطقة إدلب وحلب والساحل الذي لا يوجد فيه أي تواجد لتنظيم الدولة، في مسعى يفسر بأنه لتأمين دولة طائفية على الساحل السوري كخيار أخير بعد وصولها لحقيقة أنه يصعب التحكم بكامل الجغرافيا السورية، رغم الدعم القوي للنظام والذي لم يحقق أي مكاسب على الأرض حتى الآن على الأقل برغم القوة التي حشدها بمعاونة حلفاؤه في المنطقة – دول ومليشيات – مما حتم على  الثوار التوحد لمواجهة هذا الغرور الروسي والذي لن يكون قادرا على منازلتهم على الأرض، لأن لأصحاب الأرض دائمًا الحق والغلبة مهما كان حجم المعتدي وهذه حقيقة تاريخية يتناسها الروس دائما.

يبدو أن الدب الروسي قد نسي الدرس الأفغاني بعودته اليوم إلى سوريا في مشهد تحد جنوني واستعراض للقوة يفتقد إلى أدنى وعي، لكن إسقاط الطائرة الروسية على حدود تركيا وكذلك استهداف المروحية الروسية الأخرى في جبل التركمان كأول خسارة لروسيا منذ دخولها على الخط السوري أعاد إلى بوتين مشاهد تهاوي الطائرات السوفيتية في سماء افغانستان وهذا يفسر ظهوره بنفسية منكسرة بعد إسقاط الطائرة واصفا الحدث بأنه طعنة في الظهر، لكن هل ستراجع روسيا مواقفها في سوريا وتوقف استهداف الشعب السوري وإحراق الأرض السورية وتتذكر أن الاتحاد السوفيتي كان أقوى عددا وعدة من روسيا اليوم، وتمت هزيمته فقط ببضعة آلاف من المتطوعين، ومن يدري لعل ذلك المشهد يتكرر في سوريا وهل ستدرك روسيا أن دخولها المستنقع السوري قد شكل عليها عبئا كبيرا وقد يجرها إلى عواقب لا تحمد عقباها لعل أيسرها تجييش الرأي العام في العالم الإسلامي ضدها.

وعلى الجانب التركي يمكننا أن نستخلص من هذه الحادثة في هو أن تركيا قد قبلت التحدي، وحددت معركتها الرئيسة، وأن السياسية التركية  بعد الرابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر ستكون مختلفة، وستكون هذه الحادثة مفصلا مهما في التاريخ التركي له ما بعده، والأتراك بالطبع يفهمون جيدًا أهمية هذه الأحداث المفصلية لما لهم من تاريخ طويل مليء بالتجارب.

ختامًا، يبقى السؤال الأهم هل ستعجل حادثة إسقاط الطائرة الروسية بحل القضية السورية وإنهاء معاناة شعبنا السوري، وهل سيلتف العالم لمعاناة هذا الشعب المظلوم الذي يعاني الظلم والتشريد ويخير بين الموت فإما أن يموت ببراميل النظام وصواريخ الروس ورصاص المليشيات الطائفية أو الموت بين أمواج البحار وهو يبحث عن الحياة، أم أن لغة المصالح ستتغلب على المبادئ في عالم يدعى الحرية واحترام حقوق الإنسان.

عن الكاتب

عزام سعد

باحث في التاريخ الإسلامي


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس