ياسر عبد العزيز - عربي21

يوليو

يظن البعض أن مشهد الثالث من يوليو، هو مشهد الختام لمسرحية الانقلاب الذي وقع في مصر، والحقيقة أنه ختام فصل لا رواية، إذ إن القصة -شاء من شاء وأبى من أبى- تنتهي دوما بانتصار الشعب، فهو الباقي والكل إلى زوال.

مع ذلك، سبق هذا المشهد مشاهد كان من شأنها الوصول لإعلان قائد الانقلاب "انتصار" فصيله ومن استخدمهم للوصول لهذا المشهد، فالإعلان الدستوري الذي سبق انتخاب رئيس الثورة المصرية، والذي جرّده من كل صلاحياته قبل أن يستلم الحكم، كان بداية الانقلاب، ثم حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب المنتخب بعد الثورة، وتمسك المجلس العسكري بحكم الحل، ثم رفضها قرار الرئيس بإعادته، وإنزال المعارضة للمتظاهرين اعتراضا على قرار جمهوري بعودة المجلس، ثم تشكيل جبهة من القضاة ضد الدستور والرئيس والمجلس النيابي وتهديد النائب العام، بالتزامن مع تأسيس جبهة الإنقاذ المعارِضة، ذات التواصل والتنسيق الكامل مع سفيرة أمريكا في القاهرة. وتبنت الجبهة فكرة أن الرئيس فاشل في إدارة البلاد وروجت للفكرة، رغم التطور الملحوظ في القطاعات الاقتصادية والخدمية، وفي الزراعة.

وبعد مرور عشرة أشهر على حكم محمد مرسي، تأسست حركة تمرد لسحب الثقة من الرئيس المنتخب، التي رفعت "الكارت الأحمر" للرئيس في 30 يونيو (حزيران)، وكان هناك تنسيق بين الطرفين برعاية كاملة من قادة الجيش، ودخل شيخ الأزهر على الخط لإضفاء الشرعية الدينية وجذب طيف مهم في الشعب، وعلى رأسه حزب الكنبة، أو الطبقة الرمادية المترددة، التي تأثرت بالإعلام، لا سيما برنامج "البرنامج"، الذي أُنفق عليه ملايين الجنيهات. فالإعلام كان صاحب اليد الطولى في الحشد للتظاهرات، التي موّلها كبار رجال الأعمال، والتي كانت تكؤة الانقلاب، وتشكيل ما عُرف وقتها بـ"بلاك بلوك" لإشاعة الفوضى في تواطؤ واضح من الشرطة، لتأكيد فكرة فشل الرئيس في إدارة البلاد وفرض الأمن، ليصل الحال ليوم الثالث من يوليو، الذي أعلن فيه وأد كل مكتسبات الثورة، ورغم المقاومة الشعبية العظيمة لقرارات 3 يوليو، فإنها لم تجد رأسا ولا فكرا ولا رؤية لقيادة هذه الإرادة الشعبية للانتصار للثورة؛ إذ كان القمع أكبر من العاطفة.

تموز

ربما يرى البعض أن ليلة الخامس عشر من تموز هي ليلة محاولة الانقلاب على الرئيس التركي المنتخب، أردوغان، في مسرحية الفصل الواحد، لكن الحقيقية أن هذا الفصل سبقته فصول تخللتها مشاهد تتشابه كثيرا لما حدث في مصر، لعل بدايتها تتزامن مع الانقلاب في مصر، وتحديدا قبل انقلاب مصر بشهر فيما يعرف بأحداث "جيزي بارك"، وربما سبقته مشاهد مهدت له؛ كإنتاج فيلم يحاكي التظاهرات، وفي نفس الحديقة (جيزي بارك) حمل اسم "انتفضي إسطنبول"؛ كانت بطلته فتاة ترتدي فستانا أحمر. والعجيب، أن فتاة بفستان أحمر ظهرت في أثناء التظاهرات الحقيقية في 2013، وظهر في أحداث "جيزي بارك"أستاذ الشريعة إحسان إليتشيك، للفت الانتباه إلى الطيف المتبني للتظاهرات، وإظهارهم على أنهم يمثلون كل أطياف المجتمع حتى الإسلامية والمحافظة، على عكس الحقيقة، ليساند التظاهرات حزب الشعب المعارض والأحزاب اليسارية، تزامنا مع قرار القضاء اعتقال مستشار المخابرات والمقرب من رئيس الوزراء، هكان فيدان، بتهمة خيانته للوطن، في نفس موعد إجراء أردوغان لعملية جراحية، ودعم رجال أعمال كبار الإعلام المساند لتظاهرات "جيزي بارك".

لكن اللافت، أن يُعقد مؤتمر في أمريكا بقيادة مايكل روبين، الباحث في معهد أمريكان إنتربرايز وكبير محاضري كلية الدراسات العليا البحرية الأمريكية، بعنوان "تمرد إسطنبول"، الذي حضره وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد ورئيس البنك الدولي، وصاحب نظرية نشر الديمقراطية، برناد لويس. ولعل حضور رئيس البنك الدولي، كان على خلفية سداد تركيا آخر ديونها لصندوق النقد الدولي، وبدأت شركات الائتمان الدولية ترفع تصنيف تركيا.

ومع تصاعد الأحداث والمواجهات، تتشكل مجموعات كلها تريد التخلص من الحكومة لمخالفاتها أيديولوجيا، لينتهي الأمر بقرار حازم بإنهاء التمرد، رغم أن فكرة التخلص من الحكومة لم تنته، لتستمر المحاولات وصولا إلى الخامس عشر من تموز. لكن اللافت في أحداث "جيزي بارك" بأن أنصارها لم يتدخلوا، على الرغم من ادعاء المعارضة باشتراك شباب حزب العدالة والتنمية لقمع التظاهرات، وهو ما لم يكن عليه دليل.

رجل

رغم أن كل مقدمات يوليو كان واضحة، بداية من الإعلان الدستوري للمجلس العسكري قبل استلام الرئيس مرسي مهامه، وربما أبعد من ذلك في خطوات المجلس العسكري الحثيثة في إفشال الثورة والقفز على إرادة الشعب منذ اليوم الأول لتنحي مبارك، إلا أن النظرة كانت قاصرة إلى حد بعيد (هذه الجملة توصيف حال وليس جلد ذات)؛ إذ لم يستمع الرئيس ولا مَن حوله لنصائح الثوار ولا المستقلين ولا حتى بعض الدول، وإن كان الرئيس قد خطا خطوات نصف ثورية بإقالة المشير طنطاوي والفريق عنان، وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، على التوالي، كما أقال النائب العام، إلا أن هندسة المشهد كانت أبعد ما تكون عن فكر وعقلية من يقود البلاد، وإن كان الرئيس قد صمد بعد الانقلاب، إلا أنه مهّد له عن غير عمد بقبول أنصاف الحلول في كثير من الأحيان، والتهاون في أغلب الأحيان، ولم يتعلم الدروس ولم يتقن فهم الأحداث، رغم تقاربها وتكرارها وظهور النية من ورائها، وهو في ذلك مسيّر وليس مخيّرا، ولو كان طليق اليد، أظن أن مواقفه كانت تغيرت، ولرأينا منه من إصرار وعزم وحسم وقوة، لكن بعد أن أصبح أسيرا لدى أعداء الثورة.

أما رجل تموز، فقد أدرك ووعى الدرس من أحداث "جيزي بارك" بل من قبلها؛ حين تأكد من توغل من يدعي الصداقة للاستحواذ على البلاد، وتشبيكه للوصول لذلك مع كل التيارات وتنسيقه، بل وتنفيذه لأوامر القوى الدولية المعادية للمشروع الإصلاحي النهضوي الذي يقوده أردوغان، فكان من أول لحظة حاسما بذكاء، وأوصل خصمه لمربع لا يمكن معه لومه عندما يستخدم القوة لإنهاء التمرد. ولعله في ذلك كان حر الإرادة، متخذا الشورى وسيلة لوصول للقرار الفصل من غير تهوين ولا تهويل، لكنه تعلم الدرس وحلل المواقف وأدرك نقاط القوة والضعف.

وكان أهم ما قام به الرجل، هو تثقيف الناس سواء بخطبه؛ أو من خلال إعلام موال كان لا بد منه لمواجهة الإعلام المعارض والمدعوم من كل حدب وصوب، كما بات لزاما أن تنشط كوادر الموالاة على وسائل التواصل الاجتماعي، كما يجب أن يكون للأنصار والمحبين دور في مواقف مثل هذه، حتى لا تضيع أصواتهم الانتخابية أمام همجية المعارضة التي لا ترتضي قواعد اللعبة. ويجب أن تطهر الأجهزة، التي ظاهرها موالاة الدولة وهي جسور لإسقاطها، وإنشاء أجهزة موازية يكون ولاؤها للنظام في ظل هذا الاختراق المرعب للدولة العميقة.

هذه الدروس التي تحوت إلى مشاريع، شهد العالم نتائجها في الخامس عشر من تموز، في خروج الأنصار والمحبين والحلفاء ليقفوا أمام دبابات الانقلابيين بأجسادهم وسياراتهم، وتعاملت الأجهزة التي تم تطهيرها مع الانقلاب بحزم، وحسمت الموقف لصالح الرئيس الذي قاد المشهد بكل شجاعة، ونزل بين أنصاره وحلفائه مواجها الموت، وليفضله على أن يكون أسيرا أو مخلوعا.

شعب

لم يتأخر الشعب المناهض ليوليو منذ اللحظة الأولى لانتخاب الرئيس مرسي، ففي ليلة فرز الأصوات كان حاميا لكلمته التي قالها في صناديق الانتخابات، حتى مع مماطلة المجلس العسكري واللجنة العليا للانتخابات لم تفتر عزيمته واستمر في الدعم، ومع كل محاولة للنيل من الثورة ومخرجاتها المتمثلة في الرئيس والمؤسسات الدستورية كان حاضرا، وقبيل الانقلاب كان داعما، لكنه دوما كان يسمع من قيادته تأكيدا بأن المؤسسة العسكرية، التي تمتلك القوة ومفاتيح الانقلاب، داعمة للنظام، حتى أعلن الانقلاب وتعطلت كل المؤسسات والمكتسبات الثورية واعتقل الرئيس، لم يهدأ على مدار ثلاث سنوات وقدم الدم والحرية فداء لإرادته، لكن من كان يقود المشهد لم يكن على قدر الحدث، ولم يستثمر الزخم الدولي والكفاح الداخلي.

لم يكن الشعب التركي مغيّبا، أو حديث عهد بمآلات الانقلابات، وإن لم يخرج كل الشعب، لكن أنصار الحزب الحاكم وأعضاءه وحلفاءه، الشريحة الرمادية التي عايشت الانقلابات أو قرأت عنها في المدارس بفعل تدريسها من قبل النظام لتوعيتها بمخاطرها، كانوا من القوة بمكان لدحر الانقلاب وتقديم أرواحهم فداء لحريتهم وتأمين دولة مستقرة نهضوية، يسعى حكامها لنهضتهم ويسعى لرفاههم.

ولعل شرعية الإنجاز كانت دافعا أكثر من شرعية الصندوق في حالة أردوغان وحزبه، اللذين غيّرا وجه تركيا في السنوات الخمس عشرة في الحكم قبل محاولة الانقلاب، فاستطاع الشعب أن ينصر رئيسه ويدحر الانقلاب من قبل أن يتمكن من مفاصل الدولة ويجثم على قلب الشعب.

غرفة العمليات

لم يهدف المقال لعقد مقارنة يجلد فيه طرفا ويمدح طرفا، وإن كانت المقارنة مشروعة، وهدفها إن عقدت أخذ الدروس واستخلاص العبر، ومن ثم تصحيح المسار والتعلم من الأخطاء.. لكن في حقيقة الأمر، أردت من هذا المقال تسليط الضوء على أوجه الشبه بين الانقلابين في تركيا ومصر ومقدماتهما وأسبابهما ومن يقف وراءهما.

أما أوجه الشبه، فأدعوك للعودة لبداية المقال في العنوانين الفرعيين (يوليو ثم تموز)، وستجد بنفسك هذا التشابه العجيب في سيناريو الانقلاب في تركيا ومصر، لنصل لنتيجة أن كاتب السيناريو واحد، وستجد أن أمريكا موجودة في السيناريوهين كراعية؛ في مصر تمثلها السفيرة الأمريكية آن باترسون، صاحبة مشروع تمكين الجيش في باكستان وتقليم أظافر الإسلاميين، وفي النموذج التركي تمثل في المؤتمر الذي عقد في أمريكا من أجل التغيير الذي قام عليه مايكل روبين. وللمزيد عن الرجل أدعوك لقراءة مقاله بداية العام الجاري في صحيفة "ناشيونال إنترسيبت" الأمريكية وفيه: "يجب أن تستعد تركيا لفترة ما بعد أردوغان"، لتفهم ماذا يكن الرجل لتركيا وحكامها المحافظين. كما ضم المؤتمر من ذكرنا من شخصيات أمريكية مؤثرة، هؤلاء الذين يمثلون أمريكا سواء على المستوى الرسمي أو الأكاديمي، وإنما هم واجهة لقوى غربية وإمبريالية هدفها هدم أي مشروع نهضوي للعالم الإسلامي.

ولعل أخوف ما كان يخوفهم تحالف تركيا القادمة بقوة لعالم الكبار؛ مع مصر الراغبة في العودة لمصاف الكبار من جديد، وهو المشروع الذي يتولى نقضه من يقود المشهد في مصر الآن، لتبقى مصر ضعيفة لحين إتمام مشروع إضعاف تركيا. وهنا تتحمل الشعوب مسؤوليتها أمام إفشال هذا المخطط بوعي وصناعة القيادة القادرة على إدارة المعركة بالتعلم من أخطاء الماضي، والنظر في المآلات واتخاذ الخطوات الواعية لإنقاذ الأمة من براثن المأجورين.

عن الكاتب

ياسر عبد العزيز

كاتب وباحث سياسي ومدير مركز دعم اتخاذ القرار في حزب الوسط المصري سابقا.


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس