غالب دالاي – صحيفة قرار - ترجمة وتحرير ترك برس

ما نزال عاجزين عن الحصول على إجابة كاملة على السؤال المتعلق بوصف ما يجري كاحتلال للموصل أم تحرير لها من سيطرة داعش. وفي حال ظهور بعض الدلائل القوية المرتبطة بها. فإنها الإجابة الواضحة على ذلك السؤال ستحدد مدى نجاح عملية الموصل من فشلها.

وإذا ثبت أنها ليست محاولة احتلال، فإن الأسلوب والطريق الواجب اتباعه واضح. أساسه مشاركة ورضى السكان المحليين. لأن كل عملية ستنطلق على نحو يخالف رضاهم لا تختلف عن أية عملية احتلال بشكل أساسي. مما سيفسح المجال لمواجهة صدامات قد أحدثها احتلال العراق في المنطقة، داخل نطاق الموصل مجددًا.

أما الموضوع الحرج هنا فهو مسألة الحشد الشعبي. فقد سبق وأعلن مجلس محافظة نينوى قرارًا برفض مشاركة قوات الحشد الشعبي في تلك العملية. وبالرغم من اعتباره شكليًا في الوقت الراهن ولكن يبدو أنه امتثل لهذا القرار، وبالتالي لن يدخل إلى الموصل. وبقدر ما تمثله تسمية مجموعة بالحشد الشعبي من تعصب وانتقام طائفي، فإنه سيتبين لاحقًا فيما إذا كان الجيش العراقي جيش وطني أم أنه تنظيم حشد شعبي على نطاق أوسع. وإذا لم تلقَ المقاربة بين ميليشيات الحشد الشعبي والجيش العراقي بخصوص هذه العملية قبولًا فإن الوضع قد يتفاقم ليثير مسألة تقسيم العراق. مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن التقسيم لن يكون سهلًا بيد أنه سيفسح المجال لجعل تاريخ العراق الدموي أكثر فوضوية من خلال الإرهاب والحروب الأهلية والمجازر.

وفي حين أصبح التقارب لدى القادة والنخب العربية السنية في العراق قبيل هذه العملية وأثناء تنفيذها عبارة عن عملية احتلال ظاهرية بدلًا من كونها عملية تحرير وتخليص. بالإضافة إلى تعميق محاولات الحكومة المركزية إقصاء الرموز السياسية العربية السنية من خلال أزمة التمثيل بين العرب السنة وجعلها حالة مستعصية. وبالتالي فإن ما شهدناه في مثال طارق الهاشمي نائب رئيس جمهورية العراق سابقًا يتكرر حاليًا في مثال أثيل النجيفي محافظ الموصل السابق والذي يأتي على رأس أهم الرموز العربية السنية. إذ يقود النجيفي القوات الدفاعية المحلية الأكثر فعالية والمدربة من قبل تركيا، ويمثل محافظ نينوى أحد أهم القادة العرب السنة في العراق. هذا وقد أصدر القضاء العالي في العراق مذكرة بالقبض على النجيفي بتهمة التخابر مع دولة أجنبية وتقديم المساعدة لتركيا، وهو اتهام مخابراتي.

في الوقت الحالي يتخذ النجيفي من أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق مقرًا لإقامته. في ظل خطورة الوضع الأمني عليه في مناطق العراق باستثناء المنطقة الكردية. أي أنه فرض عليه نفي داخل العراق، مثلما اضطر الهاشمي لممارسة السياسة في الشتات عندما لجأ إلى إسطنبول. وإن أمكن الأخذ بالاعتبار مقدرة السياسيين والقادة العرب السنة داخل العراق على ممارسة سياسة حقيقية في ظل ما يعانونه من شتات، فإن إظهار عملية الموصل واعتبارها محاولة احتلال من وجهة نظرهم أمر واقعي، يمثل مدى عمق أزمة تمثيل العرب السنة. ويتضح الانعكاس الفعلي لذلك في منعهم من إقامة كيانات سياسية أو منظمات قوية بطرق قانونية، وبالتالي تحويل العجز في أزمة التمثيل إلى تنظيمات راديكالية. وكذلك إفساح المجال جزئيًا للتحري ولمساءلات عديدة ابتداء من وحدة الدولة في العراق وصولًا إلى بنية النظام السياسية، في ظل ما يشهده العرب السنة من تغريب وأزمة تمثيل بهذا القدر.   

وعلى الرغم  من امتلاك العرب السنة مفهوم السيادة للشعب نفسيًا في العراق منذ استقلاله وحتى وقت قريب إن جاز التعبير. ولكن تلك الفئة ذاتها أصبحت الفئة الأكثر تهميشًا في العراق حاليًا. فضلًا عن امتلاك الأكراد كيانًا فدراليًا مجهزًا بصلاحيات واسعة جدًا في ظل سيطرة الشيعة على الحكومة المركزية. ومن غير المرجح كثيرًا تغيير موضوع البحث في المستقبل بشكل يمكن التنبؤ به رسميًا ضمن معادلة قد تحول انتخاب مجموعات من هويات مختلفة تقريبًا إلى تعداد سكاني من أجل صراع سياسي حاد بين هويات أقامها النظام السياسي في العراق معتمدًا على هوياتهم بصورة عامة. ونتيجة لهذه المعادلة، صار لزامًا على السنة امتلاك ضمانات محددة داخل النظام. وبمرور الأيام سيتضح بشكل أكبر ضرورة منح العرب السنة في العراق موقعًا مشابهًا لما ناله الأكراد. وعلى الرغم من استحواذ فكرة اعتبار عملية الموصل بمثابة محاولة احتلال من وجهة نظر العرب السنة بشكل كبير، فقد حظيت الراديكالية في العراق بانتشار واسع على نحو مختلف كما أصبح الانفصال عن المركز أمرًا لا مفر منه.

عن الكاتب

غالب دالاي

مدير البحث في منتدى الشرق


هل أعجبك الموضوع؟ شاركه مع أصدقائك!

مقالات الكتاب المنشورة تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي ترك برس